في ركن منزوٍ ببقعة في أقصى أقاصي الأرض.. في منتجع جبلي على حافة العالم الشمالية يتجمع بضعة أشخاص من ذوي الياقات البيضاء.. أحدهم لا يزال البعض ينظر إليه على انه ضيف ثقيل.. لم تكتمل مؤهلات عضويته بعد. الاجتماع يكتسي بطابع بعيد عن الاحتفالية.. يتم بمعزل عن الأعين. المؤتمرون عصبة باتت تخشى الأضواء تكره الفلاشات، تتحسس من الضوء، بينما هي تكيل الضرر ألواناً لمن عداها. فكرة التواطؤ لا يمكن طردها من الذهن مع ان الاجتماع ليس لكبار «المافيوزي» أو أعضاء المافيا، وان كانت حقيقة الأمر تقول ان المجتمعين أكثر ضرراً وقراراتهم أشد وطأة، فالمتضررون منها مئات الملايين من البشر في شتى أنحاء العالم. هذا هو السيناريو المتفق عليه حتى الآن لاجتماع قمة الثماني الكبار المقبل، فالقمة تقرر عقدها في منتجع جبلي جليدي بمقاطعة ألبرتا الكندية، والموقع حددته ظروف أصبحت تتلاصق الآن مع كل اجتماع يستهدف ترويج أفكار الكبار التي لا تأتي بخير. والعدد المقرر للاجتماع المقبل لن يزيد إجمالاً على 400 شخص حرصاً على ضمان السكينة وعدم الازعاج، وحتى يتسنى للمؤتمرين وضع خططهم على روية بعد أن جد جديد وبدأت بعض الدول «المارقة» تنفلت من العقال وترفض بصوت عال ما يحاك لها. لا تريد عصابة الثماني مزيداً من الدماء «العلنية» خاصة بعد مقتل الناشط الايطالي كارلو جولياني خلال الاحتجاجات العارمة التي اهتزت لها جنوة بعد أن اجتذبت نحو 200 ألف من المعارضين، ونجح المعارضون والمحتجون الذين لا يزال معظمهم يتحرك بعفوية وتلقائية في ان يفرضوا تعاطياً مختلفاً مع «الليلة الكبيرة» لكبار العالم. أصبحت الاجتماعات وكأنها لقاء لمحفل سري يلتئم تحت أضواء خافتة، فالجميع يتحدث همساً.. والتحركات محسوبة لتصدر في النهاية قرارات غير معلنة لكن إفرازاتها السامة تطال فئات الملايين. الملاحظة الجديرة بالاهتمام ان آلاف المعارضين والمحتجين في جنوة وقبلها في سياتل وبراغ وغيرها من المدن التي استضافت اجتماعات تسويق وتجميل الوجه القبيح للعولمة «أمريكية الصنع» غالبيتهم ان لم يكونوا جميعاً من أبناء الأغنياء أنفسهم، بينما الجمعيات الأهلية التي أخذت تنتشر في بلدان العالم المصنف «درجة ثالثة» انتشار عيش الغراب في الأرض الرطبة، لا نسمع لها صوتاً ولا نرى لها لافتة، ويبدو أن شروط التمويل الذي تحصل عليه من الأغنياء لا تشمل معاداة العولمة، أما اجتماع ألبرتا الكندية فلا تنتظروا منه أي خير. أحمد القاضي