من الامور الغريبة في حياتنا المعاصرة، ان بعض الناس يصدقون كل ما يقرأون في الكتب والدوريات، او يتلقون من وسائل الاعلام والتربية وشاشات الانترنت والحواسيب، ومصادر المعرفة المختلفة. وهم يأخذون ما تورده هذه لاجهزة من معلومات وأرقام وبيانات، على عواهنه، دون تمحيص او تدقيق ويعدونه بمثابة حقائق لا يعتريها الشك، ولا تحوم حولها الريبة. وهذا موقف ساذج ومضلل ويقود الى الكثير من المخاطر والاشكاليات، لأن جزءاً مما نقرأ او نسمع، او حتى نرى، لا ينطوي على اية مصداقية او موثوقية، فنحن اذن امام مشكلة عويصة وبالغة الخطورة، وتتعلق بمدى صحة وسلامة ما تورده وسائل الاعلام والتثقيف والتعليم، بما فيها شاشات الانترنت التي تستقي معظم مادتها من هذه الوسائل. وتؤدي الحواسيب اليوم دوراً اساسياً في مجال كنز المعلومات ودراستها واستخلاص نتائجها، مما يسهم في تحقيق التفجر المعرفي الحديث. ولكن هناك اشكاليات كبيرة، كانت وما زالت، تحد من الافادة من هذه المعلومات وتجعلها في بعض الاحيان ضارة او حتى خطيرة. وهي، كما اسلفنا، مشكلة امكانية عدم صحة او دقة ما نتلقاه من معارف. فنحن نقرأ الصحف والمجلات والكتب والمخطوطات، ونستمع الى محطات الاذاعة، ونشاهد برامج التلفاز، ونصغي الى المحاضرات والمناقشات.. فنحصل على معلومات كثيرة. ولكن ما مدى سلامتها؟ يبدو من المؤكد ان ما تزودنا به مصادر المعرفة المختلفة من معلومات، ليست جميعها صحيحة، فهناك عوامل كثيرة تتدخل في تشويهها، واحياناً في قلب الحقائق رأساً على عقب. ومن بينها عامل (الخطأ)، فالكاتب او المدرس، مثلاً، معرض دائماً لارتكاب الخطأ، وجلّ من لا يخطئ. وهو قد ينقل الى القراء او الطلاب، معارف غير صحيحة، استقاها من مصادر مشكوك بها. وحتى الآلات الالكترونية والحواسيب تزودنا احياناً بمعلومات غير دقيقة. ولا ننسى ايضاً العامل الذاتي، فمؤلف المقالة او الكاتب، قد يبتعد احياناً عن الموضوعية والدقة العلمية، بتأثير دوافع شخصية. وبذلك نجده يعرض الحقائق والنتائج، من خلال نظرته الخاصة ومنظاره الشخصي. ولا ننسى ايضاً عنصر (المصلحة) الذي يؤدي دوراً بالغ الخطورة في التضليل المعلوماتي وتزويد الناس بمعارف مغلوطة، بهدف تحقيق مصلحة خاصة لطرف معين او جهة ما. ومشكلة عدم صحة او دقة المعلومات هي مشكلة هامة جداً وخطرة.. فالخطأ في المعلومات يجر اخطاء اخرى.. وهو يؤدي الى تتابع حلقة الاخطاء، حتى يتم كسرها في مكان ما وتصحيحها. فالكاتب او المدرس الذي يكون قد حصل على معلومات خاطئة، فتثبت في ذهنه، ينقل هذه المعلومات الى القراء او الطلاب، وهؤلاء بدورهم ينقلونها الى الاخرين. ولا تنكسر الحلقة الا عندما يتم اكتشاف الخطأ في مرحلة ما وتصحيحه، ومن جهة ثانية، فإن الطبيب الذي يحصل على معلومات خاطئة بشأن الادوية او العلاج يضر بمرضاه، وقد يجر عليهم المآسي.. ويظل الامر هكذا الى ان ينكشف الخطأ للطبيب في يوم ما، فيصححه. لابد اذن من ايجاد الطرق المناسبة لحل هذه المشكلة، ولاسيما في مجال الصحافة، لأن الوسائل المتبعة لحلها حتى الان غير كافية، ومنها تخصيص مراجعين ومدققين ومحققين لمراجعة المقالات والكتب المخطوطة قبل طباعتها، ومن الوسائل التي يمكن ان نقترحها، تشكيل لجان متخصصة، لمراقبة المطبوعات والمراجع المختلفة، واصدار قوائم بتصويب اخطائها. وهذا طبعاً ليس بالامر اليسير، ويستلزم جهوداً كبيرة جداً لا يستهان بها، وينطوي على صعوبات، مثل تعيين الجهة التي يجب ان تتبنى المهمة المذكورة. ويمكننا ان نقترح، في هذا المجال، اليونسكو على النطاق الدولي، والجامعة العربية، ولا سيما المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، على النطاق العربي. وهناك مؤسسات علمية وثقافية كثيرة جداً تستطيع أن تسهم في حملة او عملية تصحيح المعلومات. ان ثورة المعلومات التي ننهل اليوم من عطاءاتها، وندعم بها تقدمنا العلمي والمعرفي لا يمكن ان تكتمل وتصل الى اوج ازدهارها وذروة نموها، الا اذا استطعنا القضاء على مشكلة احتمال عدم صحة بعض المعلومات، او التخفيف منها. وبتعبير اخر فإن ثورة المعلومات ينبغي الا تكون ثورة كمية تتمثل بتدفق المعلومات وتوافرها بغزارة في جميع حقول المعرفة، فحسب، بل ثورة كيفية ايضاً تتجلى في توفير معلومات صحيحة ودقيقة تؤدي للوصول الى حقائق علمية موضوعية وحيادية. ـ كاتب سوري