إذا قررت الحكومة الاسرائيلية الانتقال من حالة العنف منخفض الشدة وحرب الاستنزاف الراهنة ضد الجانب الفلسطيني، الى طور الاجتياح الموسع، فإنه سيتعين عليها تقدير ردود أفعال أطراف معينة كثيرة اقليميا ودوليا. وكلما كانت النوايا المبيتة أكثر جذرية، مثل اعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية أو التخلص من قيادتها بالطرد أو التصفية العضوية أو تهجير أكبر كم ممكن من ابناء الأرض المحتلة..، فسوف تكون هذه التقديرات أكثر حساسية ودقة. يحتاج صانع القرار الاسرائيلي لهذه الحسابات لاعتبارات سياسية وعسكرية، واعلامية ونحو ذلك. إذ أن عليه الاطمئنان الى التغطية السياسية المناسبة، وبخاصة من جانب القوى الحليفة والصديقة كالولايات المتحدة والأوروبيين. ومعرفة حدود التداعيات المحتملة على مكتسبات اسرائيل مع العرب ومنظومة الدول الاسلامية، مثل معاهدات السلام مع مصر والأردن. ولأن القدرات الاسرائيلية الذاتية تظل بحاجة الى المدد الخارجي، لاسيما ان تطورات المواجهة الى ماهو أبعد من الفلسطينيين اقليميا، فإن قرار الحرب لا يعد قرارا اسرائيليا منفردا. ولم يسبق لاسرائيل تحت أي ائتلاف حاكم إن شنت عدوانا موسعا، بدون اشارات خضراء من الحلفاء الدوليين. حدث ذلك في اطار المشاركة الاسرائيلية مع بريطانيا وفرنسا إبان حرب السويس 1956 وتكرر في حروب 1967 و1982 والاعتداءات الثقيلة على العرب، والتي جرت بعد تنسيق مسبق مع واشنطن. في كل حال، فإنه ليس بعد تهيئة البيئة الداخلية قبيل الاعتداءات، الا استطلاع تفضيلات القوى المؤثرة دوليا. وفي غمرة استعداداتها المحمومة لاجتياح الكيان الفلسطيني تحت التكوين، لم تخرج اسرائيل عن هذه القاعدة. وفي تقديرنا أن الداخل الاسرائيلي بدا مواتيا بالفعل لخطوة عسكرية من هذا القبيل، فلا صوت يعلو هناك الآن على صوت العسكر وقعقعة السلاح. فيما تبذل القيادة الاسرائيلية جهدا لاعداد البيئة الاقليمية والدولية، التي تبدي تمنعا وحذرا من هذه الخطوة. والحق أنه من الصعوبة بمكان تصور الكيفية التي تزن بها اسرائيل ردود أفعال هذه البيئة تجاه فكرة الاجتياح ومخططه. غير أنه يمكننا من الناحية النظرية أو الصورية، التأكد من قناعة صانع القرار الاسرائيلي بضرورة عزل الطرف الفلسطيني عربيا ودوليا، كشرط لازم لتسهيل مهمة الاجهاز عليه. على أن محاولات اسرائيل شيء ونجاحها في ذلك شيء آخر. وحتى الآن ليس ثمة ضمانة من انفلات رد الفعل العربي عن توقعات اسرائيل فالسياسة والحكم في فلسطين شأن يخص النظام العربي عموما ويعني على نحو استثنائي بعض اقطاب هذا النظام كمصر والسعودية والأردن وسوريا. ولا نحسب أن أحدا من العرب الرسميين سيغمض العين عن خطوة اسرائيلية، تنطوي على مظهر للابادة الفلسطينية مجددا. هذا دون الحديث عن استحالة تقدير غضب الرأي العام العربي وحدود فعله تجاه خطوة كهذه، وضغوطه على النظم من أجل عمل شيء ما كبير وملموس ضد الفساد الاسرائيلي في بلاد العرب وشعوبها. صعوبة حساب رد الفعل العربي لا تشجع اسرائيل على الاجتياح لكن توصيل رسالة انذارية عربية رسمية وشعبية صريحة، سيعمق المخاوف الاسرائيلية في هذا السياق. دوليا فإن القوى الخارجية تعلم أن السياسة الفلسطينية طرف لا يمكن استبعاده لتحقيق سلم عادل أو (غير عادل)، يؤمن استقرار مصالحها في الشرق الأوسط، وهي على دراية بأن التطوع بتأييد اختفاء أو استئصال هذا الفاعل الاقليمي، مغامرة غير مأمونة.. ولذا فهي أقرب الى العوامل الكابحة للاجتياح الاسرائيلي في المرحلة الراهنة. ـ كاتب فلسطيني