شملت الاستراتيجية الاسرائيلية لتطبيع العلاقات مع مصر كنموذج حيث توقيع المعاهدة المصرية الاسرائيلية مبكرا، وتعرض أيضا قبل الآخرين لاستراتيجية اسرائيل في التطبيع وكان ذلك بمثابة (الاختبار النموذجي) الذي وضعته اسرائيل في معاهدها العلمية المتعددة للتقويم حيث يتم استخلاص النتائج المفيدة لمسيرة التطبيع ككل. لذلك كان التطبيع على المحور الثقافي هو أخطر تلك الاستهدافات من جانب اسرائيل - إلا أن الواقع المصري وبمد آليات مقاومته أكد فشل ذلك الاستهداف - ورغم توفر المعلومات العلمية الدقيقة لأكثر المجالات التطبيعية التي تتم بين مصر واسرائيل والتي يأتي على رأسها التطبيع الاقتصادي الزراعي، النفطي، السياحي، والتجاري، إلا أن التطبيع الثقافي ظل عند الاسرائيليين هو الغاية الأهم حيث يتم اعادة تشكيل الذاكرة الجماعية للشعب العربي المصري لصالح قبول الصهيوني وايديولوجيته، وتكشف لنا الوقائع والوثائق والمحاولات الدؤوبة لرسم مسار تطبيعي ثقافي أن تلك الجهود الدائمة والحثيثة في كل وقت من أجل العمل على سد الفجوات النفسية والمدركات المختلفة للأطراف والرؤى المتصارعة والعدائية ولكنها تستند الى المواريث الدينية والثقافية والقيمية والبنى القومية والوطنية والصراع الاجتماعي الممتد، وحتى يتم اقتلاع ذلك لابد أن يكون المدخل هو المدخل الثقافي ومن هنا كانت أولوية التطبيع الثقافي عند الاسرائيليين. فالصراع يوجد في وعي الشعوب قبل أن ينتقل الى الواقع، ومن هنا فإن غرض التطبيع الثقافي هو نزع العداء.وقد بدا ذلك واضحا عندما تم في 19 ابريل 1979 رفع العلم المصري على قصر الأمة في مدينة القدس لأول مرة في افتتاح المعرض الدولي للكتاب.وفي 4 سبتمبر 1979 وصل الرئيس السادات الى حيفا في زيارة رسمية لمدة ثلاثة أيام، وفي نهاية تلك الزيارة أعلن الرئيس الاسرائيلي (اسحق نافون) أن الوقت قد حان للتبادل الثقافي، وقام باهداء مخطوطة كتاب للمفكر العربي اليهودي (موسى بن ميمون) الى الرئيس السادات. كذلك لم يكن غريبا أن يبدأ السفير الاسرائيلي الأول عمله في القاهرة بتسليم الكاتب الراحل توفيق الحكيم الحقوق المادية العائدة اليه من ترجمه كتبه وتسويقها في (دولة اسرائيل) وكان ذلك بغرض ابراز (الوجه الحضاري لاسرائيل)، وفي ذات الوقت الاعلام عن المكاسب التي من الممكن أن تعود على التعاون والتطبيع بين المثقفين المصريين واسرائيل، وقد اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بالعمل على نسج شبكات تعاون ثقافي وذلك عبر إغراق المنطقة في سلسلة من الندوات والأبحاث الممولة من قبل صناديق البحث الأجنبية، وقد عبرت عن ذلك وثيقة رسمية صادرة عن وكالة التنمية الأمريكية المشرفة على أموال المعونة الأمريكية في بلدان العالم الثالث، كان قد شارك في اعدادها ثمان وزارات وهيئات حكومية أمريكية وعشر مؤسسات ومراكز خاصة للبحث العلمي، وقد تناولت الوثيقة أهمية المثقفين في تمهيد المنطقة للسلام، وامتلاكهم القدرة على تقديم أسانيد للمرحلة الجديدة من التعاون والسلام (يجب أن يلعب المفكرون ورجال الثقافة دورا هاما في العمل على تعميق الروابط والعلاقات بين الدول). وفي شهري أغسطس وسبتمبر 1979 توالت زيارات بعض من مشاهير المؤيدين للصهيونية الى القاهرة، والذين كانت أسماؤهم في قوائم المقاطعة العربية مثل: فرح فاوست والتي جاءت من اسرائيل الى القاهرة، واليزابيث تيلور التي ذهبت من القاهرة الى اسرائيل، وأنريكو ماسياس، وفرانك سيناترا. وقد صرحت اليزابيث تيلور لصحيفة الاجبشيان جازيت المصرية اليومية الناطقة بالانجليزية قائلة: (إنني سعيدة بوجودي في القاهرة ليس لسبب شخصي وإنما لهذا التقارب الذي يتم بين مصر واسرائيل). وكان محرر وكالة الاسوشيتدبرس قد علق على هذه الزيارة قائلا: (إن زيارة اليزابيث تيلور خطوة مبكرة لانهاء المقاطعة الثقافية لاسرائيل).وفي سبتمبر 1979 وبمناسبة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الرابع وصل الى القاهرة أول وفد ثقافي اسرائيلي وقد ظل خبر هذا الوفد سرا الى أن نشرته مجلة أكتوبر، وقصة هذا الوفد تكشف الحيل والألاعيب والدأب الاسرائيلي لاختراق الجبهة الثقافية، حيث حضر الى القاهرة المنتج (جورج باري) منتج فيلم من تمثيل فرح فاوست، وبالطبع حضرت معه فرح وصاحبهما (حاييم ايشيل) رئيس قسم السينما في شركة (بروت) للعطور التي نظمت زيارة فرح للدعاية لعطورهما مع مندوبها في مصر واسمه (صلاح خرما)، وهو مليونير فلسطيني الأصل، يدير شركة للعطور، كما يدير شركة أفلام مصر الجديدة.وقد اقترح جورج باري المنتج على ادارة مهرجان القاهرة دعوة اسرائيل الى الاشتراك في المهرجان، ودعوة وفد سينمائي اسرائيلي كبير، في مقابل تيسيره لدعوة اليزابيث تيلور لحضور افتتاح المهرجان، بينما عرض حاييم ايشيل تقديم فيلمين من أفلام شركة (بروت) للمهرجان وهما (دورية الليل) الذي مثلته اليزابيث تيلور كي يعرض في الافتتاح، و(لمسة طبقية) الذي مثلته جيلندا جاكسون ليعرض أثناء المهرجان - هكذا جاء بالنص في مجلة أكتوبر 30سبتمبر 1979 - وقد وافقت ادارة المهرجان على ذلك التصور وأرسلت الدعوات مع جورج باري الذي أرسلها الى اسرائيل من باريس، وطلب من أعضاء الوفد الاسرائيلي التوجه الى سفارة مصر في أثينا ومن هناك يحصلون على التأشيرة، ويغادرون العاصمة اليونانية الى القاهرة. ومن ناحية أخرى كان مناحيم جولان وهو أشهر سينمائي اسرائيلي (طيار في حرب 1956) قد اتفق مع الصحفية الأمريكية اليهودية الصهيونية (بيتي جيفريس ديمبي) لكي تأخذ معها الى القاهرة فيلمه الأمريكي (الساحر) ليعرض في المهرجان.وتكون الوفد الاسرائيلي من ثمانية أشخاص هم الممثل (أهارون امبالي) والصحفيون (دان فينارو) وزوجته و(تاي كوللر) واتيز جيلتز بالاضافة الى (ايدي سوفر) و(ليون تامان) و(أوريت كوبر) ومن شركة (جيروزاليم ستديوس)، وتوجهوا - حسب التعليمات - الى أثينا للحصول على التأشيرات من السفارة المصرية، إلا أن السفير المصري أبلغهم عدم علمه أي شئ عن ذلك الموضوع وأن الجمعية التي تشرف على المهرجان خاصة وبالتالي فهذه دعوات غير حكومية واقترح عليهم التوجه الى القاهرة ومحاولة الحصول عليها في المطار.وفي المطار جاءت (بيتي جيفريس ديمبي) من نيويورك ومعها فيلم (الساحر) وكان الوفد قد وصل حسب نصيحة السفير وفوجئ ضباط المطار بالوفد كما فوجئ مأمور الجمارك بالفيلم. فرفضت الجمارك دخوله حتى تطلبه الرقابة، إلا أن الرقابة لم تطلبه وعاد الى نيويورك، واتصل ضباط المطار بوزارة الداخلية التي اتصلت بإدارة المهرجان وتم انقاذ الموقف بإذن خاص من الوزير ودخل أول وفد ثقافي اسرائيلي الى القاهرة. وتوالت عروض الانتاج المشترك ومحاولة اختراق المهرجان، وقد كشف الراحل الدكتور (رشاد رشدي) في 23 يناير 1980 وفي اجتماع شعبة الفنون التابعة للمجلس القومي للثقافة - التابع لرئاسة الجمهورية آنذاك - وفي محضر رسمي (ان الاسرائيليين رصدوا مبالغ ضخمة لانتاج مشترك بين مصر واسرائيل عن رسالة السلام، وقد عرضوا 12 مليون جنيه مبدئيا لهذا الانتاج، واذا احتاج الأمر أكثر من ذلك فلا مانع لديهم لأنهم يريدون توصيل رسالة السيد الرئيس السادات ومبادرته عن السلام الى جميع أنحاء العالم، ان الممولين الاسرائيليين طلباتهم لا حصر لها، وعن التبادل الثقافي يريدون أن يتبادلوا معنا المعارض والمسرح... الخ، ولديهم كتاب سيناريو أكفاء، ولقد قال لي أحد المصورين الاسرائيليين أنه يريد تصوير مصر لأول مرة، وقال أنه عندما زار مصر وجدها غير ما تصور، وطلب اعطاءه الفرصة لكي يصور مصر بواقعها، ولا مانع أن تصور بجانبها اسرائيل ويعرض ذلك على العالم، والاسرائيليون سوف يقومون بهذا، وهم يرجوننا في ذلك، ولكننا نؤجل الى حين تطبيع العلاقات، إن تطبيع العلاقات لا يأتي إلا عن طريق الفن والثقافة). وفي 20 يناير عام 1980 نشرت جريدة الأهرام أن الرئيس السادات استقبل الدكتور رشاد رشدي ومعه المخرج السينمائي (إيدي سوفر) والمنتج (ليون تامان) وهو من رجال الأعمال، وأنهما ناقشا مع الرئيس الفيلم العالمي الذي يعدانه للانتاج عن حرب أكتوبر ومبادرة السلام، والذي سيتولى بطولته (أنطوني كوين) وكان ذلك فيلما اسرائيليا مصريا، وتوالت مع الأيام التصريحات بشأن مقترحات بأفلام مصرية - اسرائيلية مثل (جسر على قناة السويس) و(حب الغرباء). وفي 26 أكتوبر1980 وهو يوم عيد المقاومة في السويس، جاء نافون الى مصر وأقام فيها خمسة أيام، وفي خطابه أمام أعضاء الحزب الوطني الحاكم والذي يرأسه السادات قال نافون: (اسمحوا لي أن أتطرق الى بعض الأمور ذات الطابع الشخصي، يؤسفني أنه لم يكتب لوالديّ - أبي وأمي - أن يعيشا هذه اللحظات التي هي حتما تجسيد لأحلامهما، وأني لأتذكر أمي جالسة قرب جهاز الراديو قبل سنين عديدة في ساعة متأخرة من الليل وهي تنصت لغناء المرحومة أم كلثوم التي لا تنسى، ولما كان جهاز الراديو في تلك الأيام يسمع صفيرا وجلبة كنا نخبط عليه حتى يعود الصوت الآسر ليصدح منه، وقد غرس والدي في نفسي حب الثقافة العربية، ليس في مفهومها التجريدي وإنما في مفهومها التطبيقي الحياتي، فكان رحمه الله يصحبني معه وأنا فتى صغير السن الى دار جار لنا في القدس، وهو شيخ وقور، لأستمع الى حديثهما، وتقدم فناجين القهوة ويتدفق الحديث بينهما بعذوبة وود، فإذا انتقلا الى الحديث عن الحكم البريطاني علا منهما الصوت ينددان بسياسة فرق تسد، فإذا حان موعد صلاة العصر كان الشيخ يبسط سجادة صغيرة ويتجه بصلاته نحو القبلة ونقف أنا وأبي ونتجه بصلاتنا نحو حائط الهيكل، فإذا انتهت الصلاة عاد فشجبا الحكم البريطاني، وقد صاغ والدي مفهومه للأمور بهذه العبارة البسيطة: اعلم يا بني، لقد حكم الأتراك هنا فذهبوا ويحكم الانجليز الآن وسيذهبون هم أيضا ولن يبقى إلا نحن والعرب وعلينا أن نتعلم العيش معا. كنت صغير السن، غير أن هذه العبارة نقشت على صفحة قلبي تبعا للمثل القائل (العلم في الصغر كالنقش على الحجر)، وعلينا أن نربي أبناء الجيل الناشئ في بلدينا على قيم السلام من رياض الأطفال حتى اذا ما شبوا وترعرعوا تكون فكرة السلام لديهم أمرا طبيعيا، ويبدو لي أنه من الحيوية بمكان أن نتعلم التعرف على بعضنا البعض، والانسان عدو ما يجهل، اذ بدون هذا التعرف تفتقد القاعدة التي ترتكز عليها الثقة، وما الثقة إلا قاعدة للسلام). في هذا الخطاب المقدم من رأس الدولة الاسرائيلية المغتصبة لأرض فلسطين العربية نسقا بلاغيا مدروسا من قبل الذين وضعوه، هم يريدون أن يكون نافون رأس جسر بين الثقافة العربية والصهيونية، مغلفين ذلك بالحدث المغلوط عن الوجود العربي والصهيوني في هذه المنطقة (لن يبقى إلا نحن والعرب وعلينا أن نتعلم العيش معا)، وفي سياق الخطبة يعترف نافون بأن علاقة العرب باليهود الموجودين على هذه الأرض كان تعبيرا عن حياة مشتركة دون عنصرية أو بغض أو اكراه ديني، لكنه تناسى أن يذكر في خطبته البليغة تلك أن الوجود الصهيوني جاء مغتصبا لأرضنا العربية في فلسطين مسنودا بالوجود الانجليزي ذاته من بلفور الى عصر الانتداب البريطاني وأن العرب هم أساس القبائل العربية التي كانت في المنطقة. لكن ما يهمنا توضيحه في هذا الخطاب هو الغرض التطبيعي وقصد القبول بالصهيونية والتعايش معها، وقد أعربت السيدة (أوفيرا نافون) عقيلة رئيس الدولة عن سعادتها وأعلنت أنها اتفقت وسيدة مصر الأولى جيهان السادات والدكتورة آمال عثمان وزيرة الدولة للشئون الاجتماعية في مصر على القيام بمشاريع تربوية وتأهيل اجتماعي مشترك بين مصر واسرائيل وأنه ستعقد دورة مشتركة بهذا الصدد في شهر يونيو من العام القادم تستعرق 5 أيام في الاسكندرية وتل أبيب. ـ كاتب وباحث مصري