على الرغم من المشاهد المأساوية التي تطالعنا صباحاً ومساءً عن الفلسطينيين وهم يقتلون او يشردون او يطاردون، يجب ان نقرر حقيقة اخرى غاية في الاهمية وهي ان صورة الفلسطينيين تغيرت وتبدلت عما كانت عليه. نعم لقد تغيرت الصورة على الرغم من الجنائز اليومية التي تتوالى كحبات مسبحة مستمرة الانفراط وعلى الرغم من الصيحات الواخزة للضمير التي تطلقها سيدة فلسطينية هنا او هناك في وجه كاميرات التلفزيون العربية والعالمية وهي ترثي ولدا او زوجاً: اين العرب واين المسلمون. وأول دلالات هذا التغيير هو انتقال الفلسطينيين من التخبط في الشعارات القومية الى التركيز على الشعار الوطني كأساس، اذ لم تعد الشعارات القومية هي المحور في الخطاب الفلسطيني كما كانت في السابق قبل اكثر من عشر سنوات عندما كان قادتهم يرددون ان طريق تحرير فلسطين يمر ببيروت او القاهرة او عمان او دمشق او غيرها من العواصم العربية، فقد اتضح لهم وللجميع ان مثل هذه الشعارات تضللهم وتعطلهم وتؤدي الى تقاعس الفلسطينيين انفسهم والى خراب دول عربية اخرى بدل ان تقرب يوم خلاصهم الوطني. ان هكذا شعارات لم تتفكك بين ليلة وضحاها ولم تبل قواعدها بسبب وعي اتسع مداه او فهم جديد بزغ فجره فجأة، بل تآكلت نتيجة واقع موضوعي واجه الفلسطينيين وفرض عليهم تحمله. اختلاف الرمز تغير الفلسطينيون نعم. لقد انتقلوا من الهتاف للبطل القومي الى الهتاف للبطل الوطني. فلم يعد عبدالناصر او صلاح الدين هو الرمز الذي يجمع حوله المظاهرات.. الرمز الان هو عز الدين القسام او محمد الدرة وأمثالهما من شهداء ارض فلسطين. كان الفلسطينيون ينظرون الى العالم بمعظمه والعالم الغربي بأجمعه كعدو مخيف يتأبط مؤامرة بشعة ضدهم، اما الان فباتوا يشعرون بنوع من الامان والثقة في الجهات الاربع. حتى بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي كانت تصنف لكثيرين منهم بأنها لا تقل عداء لهم عن اسرائيل اصبحت اليوم بنظر قطاع واسع من الفلسطينيين عاملاً رئيسياً لعملية السلام لا تدور عجلة التسوية بدون تدخلها النشط. بل ان التغيير ذهب ابعد من ذلك: ان العدو الحقيقي للفلسطينيين صار ينحصر بالصهيونية وأحياناً ـ بالنسبة لبعضهم ـ بطرف محدد منها هو اليمين الصهيوني سواء كان في فلسطين المحتلة او خارجها بدليل النداءات المشتركة التي وقعها بعض الفلسطينيين مع جهات وشخصيات اسرائيلية تطالب، وفي هذا الجو المحموم، بوقف العنف والعودة الى المفاوضات. ولعل من الواضح ان التغيير في المفاهيم لم يكن بعيداً عن تغير المواقع والمكان، فبين الاثنين علاقة جدلية واضحة، ذلك ان زمان المقاومة الفلسطينية بالسلاح من بيروت وعمان وتونس قد ولّى، ويبدو الى غير رجعة، لتتغلب عليه الان المقاومة بالحجارة في رام الله وغزة ونابلس والخليل. تلك المتغيرات هي من الجدية التي تتطلب التوقف عندها لاستيعابها كفاية وبما تستحق في هذا الظرف الحرج الذي نعيشه الان خاصة ان ادوات وشعارات المرحلة الماضية من كفاح الفلسطينيين ادت الى نتائج سلبية اكثر منها ايجابية وكانت وبالاً عليهم اكثر مما كانت منقذاً لهم، وهذا ما ينطبق تحديداً الان على شعار الحرب والدعوة لها ودق طبولها. إختلال الموازين فالدعوة للحرب بين العرب او بعضهم من جهة وبين اسرائيل من جهة اخرى تتسم بخطورة ما بعدها خطورة في ظل هذا الوضع وموازين القوى الراهنة التي لا تسمح لنا بخوض حرب شاملة ومتكافئة ضد الآلة العسكرية الاسرائيلية. ذلك ما يعرفه بعض القادة العرب الحكماء وعلى رأسهم ربما الرئيس المصري حسني مبارك الذي قال اكثر من مرة ما مفاده «اننا لن نجر الى حرب لم نخطط نحن لها». وذلك ما يجب ان ينتبه اليه الجميع رغم ان بعض وسائل الاعلام العربية استساغ في الفترة الاخيرة الدعوة والترويج للحرب. ومن ضمن هذا الترويج ما جاء في بعض وسائل الاعلام مؤخراً عن تقرير اعده استراتيجي امريكي هو كروس مان والقائل ان باستطاعة العرب الحاق الهزيمة باسرائيل. ولا شك ان مثل هذا القول يدغدغ طموح البعض ويثير مخيلتهم كما انه يتسلل الى الرأي العام العربي كحقيقة اعتماداً على ان كل عربي يتمنى في قرارة نفسه الانتصار عسكرياً على اسرائيل. انما في هكذا شأن مصيري لابد من الحذر قبل الحسم وقبل القرار. قد لا نختلف مطلقاً في الارقام التي اوردها التقرير المذكور، فهي ربما صحيحة لكن صحتها تجوز هنا وفق معايير ـ الاستعداد البارد ـ للحرب، كما يعبر خبراء الاستراتيجيا، اي من حيث وسائل الحرب وعدتها من الطائرات والمدافع والدبابات وعديدها من حيث الجيوش. غير ان الحرب ابعد من مجرد الاحصاءات والارقام، والا لكان بالامكان حسم الحروب دون حاجة لخوضها بل بمجرد مقارنة الامكانيات العسكرية لاطرافها. ان الحرب تتطلب ايضاً ـ الاستعداد الحار ـ لها، فلا حرب ممكنة الانتصار دون تعبئة شاملة لكافة العوامل المؤثرة فيها، من بشر ومن ادوات ووسائل قادرة وموارد عامة ودائمة يمكن ان تتوفر وتتدفق طالما ان آلة الحرب دائرة. وللأسف، لا هذا ولا ذاك متوفران في حالتنا العربية. وفي غياب التعبئة هذه فإن دق طبول الحرب يبدو سلوكاً دون مسئولية ويصب من حيث نتيجته في صالح اسرائيل واليمين المتطرف منها بشكل خاص الذي يستطيع استغلال هكذا دعوات ليقلب طاولة التعاطف الدولي من مؤيد للفلسطينيين الى مناصر لاسرائيل، مطبقا نفس تكتيكه الذي استخدمه عندما استغل بعض العمليات الفدائية المحدودة قبل شهرين لتأليب الرأي العام العالمي ضد الانتفاضة التي نجحت بشكل اساسي باعتمادها على الحجارة.. والمظاهرات المدنية. المساندة الدولية ان مساندة الرأي العام العالمي للفلسطينيين تشكل في هذه المحطة التاريخية عنصرا رئيسيا لدعم انتفاضتهم وتحصيل حقوقهم المشروعة والمغتصبة، والدعوات الى شن العرب حربا على اسرائيل ليس من شأنها الا ان تجردنا من هذه المساندة في الوقت الذي لسنا قادرين فيه على تحقيق انتصار عسكري. واذا كان الوضع العربي عامة، والوضع الفلسطيني خاصة غير مريح الآن، فهذا لا يعني في المقابل اننا مجردون من كافة الاسلحة، فالخيارات مازالت متعددة وما زال بيد العرب والفلسطينيين امكانية المبادرة في اكثر من اتجاه، على ان الخيار الاول يبقى طبعا من حق الفلسطينيين قبل غيرهم. ان من الخيارات الممكنة والاقرب الى الواقع ومعطياته الراهنة هو اسقاط رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون سياسيا خاصة وان هذا الامر اسهل نسبيا مما حصل مع سلفه اليميني بنيامين نتانياهو. لقد سقط نتانياهو نتيجة الضغط السياسي الفلسطيني اولا ثم الضغط العربي وليس بسبب المواجهة العسكرية التي كانت هادئة. ان الضغط الفدائي الفلسطيني يؤتي ثماره عندما يقرب الحل السياسي اما عندما يبتعد في مثل حالة شارون فإن التضحية بالفلسطينيين تصبح اقرب الى الانتحار. والمقاومة شيء يختلف كليا عن الانتحار. وما يشجع على الخيار المذكور هو ان شارون اضعف سياسيا من نتانياهو لعدد من الاسباب، فقد ادين جزئيا في محكمة اسرائيلية بسبب ما حدث في صبرا وشاتيلا، ورفعت ضده قضايا في الولايات المتحدة، وها هو مطارد اليوم في بعض العواصم الغربية. وهو لن يتوانى من هذه الناحية في تغيير قواعد اللعبة بحثا عن وقود اضافية تلبي شهيته في الانتقام عن طريق التصعيد، لهذا فإن اخماد هذه الشهية يكون بتفويت هذه الفرصة عليه ذلك خيار صعب ولكنه متاح للفلسطينيين والعرب اليوم وقد لا يكون متاحا في المستقبل بنفس الزخم. والتغيير الفلسطيني الذي حصل في العديد من المواقف يحتاج الى اكمال، لا العودة الى الوراء. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت