منذ أيام معدودات أتمت السكك الحديدية في مصر قرنا ونصف قرن، مناسبة كبرى لم يجر الاحتفال بها كما يجب، مصر هي البلد الثاني في العالم الذي مدت فيه السكك الحديدية، بعد ظهور القطار في انجلترا وبدأ سعيه بين لندن وميناء لفربول. كان ظهور القطار ثورة بكل المقاييس، إذ كان يعني ظهور طاقة غير تقليدية للدفع، البخار، وكان يعني بدأ التطور اللامحدود الذي أوصلنا بالنسبة للقطارات الى القطار فائق السرعة الذي تتجاوز سرعته الآن الثلاثمئة وخمسين كيلو مترا، أي نصف سرعة الطائرة النفاثة الآن. وبالنسبة للمواصلات فقد عشنا زمن الصواريخ الساعية الى الكواكب والى المجهول في الكون. بالنسبة لي أعتبر القطار موازيا للسفر، لا الطائرة ولا السفينة ولا السيارة، مايمنحني الاحساس بالانتقال، بالسعي من مكان الى آخر، بانقضاء الأوقات فهو القطار لا غير. انشغلت به، وتأملت طويلا في علاقتي به. خصصت له دفترا كاملا من روايتي الطويلة (دفاتر التدوين) والتي صور منها دفتران، الأول بعنوان (خلسات الكرى) أما الثاني فبعنوان (دنافته لي) ومحوره علاقتي بالقطار. ربما يرجع ذلك الى ارتباط أقدم ما أثر في بالقطار، ركبته جنينا وأنا ماأزل في رحم أمي ـ رحمها الله ـ اذ سافرت عام خمسة وأربعين، في ابريل الى سوهاج من القاهرة حيث مقر اقامة الأسرة لتكون على مقربة من والدتها ـ جدتي ـ عند الولادة، حتى تلقى الحنان والرعاية، إذ كانت تعيش في القاهرة غريبة، منقطعة عن الأهل في جهينة، وتمت ولادتي في مايو، بالضبط التاسع منه، اليوم الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية. وهكذا ركبت القطار ومازال عمري شهرين. هل تركت الرحلتان أثرا في الحواس، في الذاكرة؟ ربما.. فحتى الآن لا نعرف على وجه الدقة ما نتعرض له من مؤثرات في تلك المراحل المبكرة من العمر، لا ندري ماذا يبقى بتأثيرها، وماذا يفنى، ماذا يستقر في الحنايا البعيدة عن النفس. المؤكد أن مالا نعيه منها أقل بكثير مما نعيه ويمكننا استعادته بالذاكرة. منذ بدايات العمر اعتدت قضاء الصيف في البلدة حيث مسقط رأسي، أول مكان تنسمت فيه الحياة، جهينة القرية التي أصبحت مدينة الآن، المحفوفة بالنخيل الكثيف، وأشجار التين وأنين السواقي، والصحراء في الغرب، هناك الحدود واضحة جدا بين الحضور والغياب. بين الحياة والموت، يمكن أن يضع الانسان قدما في الأرض المزروعة وأخرى في الصحراء حيث الجدب، هكذا الوادي في صعيد مصر. أقرب محطات القطار الى جهينة تقع في مدينة طهطا، ومدينة طهطا تعد مركزا طبقا للتقسيم الإداري القديم. أي يوجد بها مركز شرطة كبير يرأسه ضابط برتبة عقيد، القطارات التي تقف على طهطا نوعان. ما كان يعرف بالقشاش، وهذا بطيء السرعة، يقف على جميع المحطات بلا استثناء. والاكسبريس أي السريع، وهذا يقف على المدن الرئيسية، المراكز، قطار واحد يعد أسرعها جميعا، اكسبريس الاكسبريس، انه الأشهر أيضا، اذ خلده الصعايدة في أغاني الحنين الى قراهم ومدنهم ونجوعهم التي اضطروا الى مغادرتها من أجل الرزق. أشهرها تلك الأغنية الرائعة مجهولة المؤلف والملحن. (ياوابور الساعة اتناشر يامقبل على الصعيد.. قدام بيت اللي بأحبه ضله ومعنى وهوى..) لسنوات أردد هذه الأغنية، خاصة عندما أكون وحيدا، وأتوقف طويلا عند البيت الأخير، فمنطقي أن يكون أمام بيت الحبيب (ضله) أي ظل، ولكن ماهذا المعني الذي يتلوه هوى، انه انفجار الشعر، انه الشعر، يحققه لفظ دال مسود. ربما كانت هذه الأغنية من أرق وأشجى ماأنشد للقطار في الدنيا قاطبة، فالقطار يعنى لأكثر من قرن وربع في حياة المصريين الوسيلة الاساسية للسفر، أي للانتزاع لتغيير المحل، للانقطاع عن المألوف، عن العادات، عن الأحباب، كان ذلك قبل أن يعرف المصريون من صعايدة وبحاروه الطائرات والسفن والغربة في مشارق الأرض ومغاربها، بعد أن ضاقت بهم الأرض بما رحبت. كان قطار الثانية عشرة هو الأسرع والأفخم، لكنه لم يكن مناسبا لنا، فالقطار لا يتوقف الا بعواصم المديريات (المحافظات) وهذا يعني توقفه بمدينة سوهاج، وسيمر بطهطا. كما يمر الاكسبريس العادي بالمحطات الأصغر. لن يتوقف بها ولن يعرها اهتماما، سوهاج بالنسبة لجهينة أبعد، ثلاثة أضعاف المسافة بالنسبة لطهطا، من ناحية أخرى يصل السريع جدا في الثامنة مساء الى سوهاج، وهذا وقت متأخر بالنسبة للانتقال الى جهينة. فالطريق طويل، وتمر وسط مزارع، والاحتياط واجب. لذلك كان أنسب المواعيد بالنسبة لنا قطار الثامنة صباحا، أو كما يعرف عند موظفي السكك الحديدية، بقطار رقم تسعمئة وثمانين، ومازال حتى الآن يحمل هذا الرقم ويقوم في موعده تماما، رغم اضافة قطارات عديدة. منها المفتخر، والسريع، السياحي، ومايعرف بالشبح، وطبعا هذا من قبيل المبالغة وخفة الدم المصرية، فالشبح هذا لا تتجاوز سرعته التسعين كيلو مترا، انما أطلق عليه الوصف، لأنه يتحرك من القاهرة الى أسيوط مباشرة ولا يقف بأي محطة أخرى. أحب القطارات الى قلبي وروحي، قطار الثامنة. انه مضيء في ذاكرتي، نظيف، يتهاوى ويسري في الوادي مصعدا الى حيث بدأت أيامي، الى مسقط رأسي، ومبتدأ أمري، الى طهطا ثم جهينة. أقدم الصور التي احتفظ بها في ذاكرتي مرتبطة بذلك القطار، ربما ترجع اعتقها الى عام ثمانية وأربعين، كان لي من العمر ثلاث سنوات، الزمن صيفي، نقف على رصيف المحطة، انها محطة مصر، مصر تعني القاهرة، العاصمة، هكذا يقول ابن الصعيد اذا اتجه شمالا، أو ابن بحري اذا ولى وجهه جنوبا، (أنا رايح مصر). مع أنه في مصر، ويتحرك من مصر الى مصر، لكنه التعبير عن المركزية الشديدة، ما تمثله العاصمة من أهمية على جميع المستويات، منها تنطلق القطارات واليها تنتهي لم تكن المحطة في طفولتي مزدحمة كما هي الآن، كان عدد المسافرين أقل من مقاعد القطارات، كانت محطة مصر تعني البداية، وكنا نقف بهدوء، ننتظر قدوم القطار، كان قدومه مهيبا، هادرا، فالقطارات في ذلك الوقت كانت تنفث لهبا ونارا. قطارات سوداء، لكل منها أكثر من مدخنة. صفيرها حاد كالعويل، منذ البداية يثير عندي حزنا وحنينا غامضا الى أماكن لن أصل اليها، وأماكن حللت بها وأتمنى العودة اليها، في كل الأحوال تثير عندي الحنين الى المجهول. عندما أقول القطار، تقفز الى ذهني تلك القطارات الضخمة، الهادرة، القطار يعني عندي القاطرة التي تندفع بالبخار، السوداء، التي كان في تكوينها هيئة مهابة وعظمة، هذه القطارات اختفت تماما، الا فيما ندر، خرجت من الخدمة وحلت مكانها القاطرات التي تندفع بالديزل ثم بالبنزين، ثم بالكهرباء. لكن جميع هذه الأنواع لم تلغ القاطرات الأولى، تلك التي عرفتها حتى الستينيات، ثم استقر بعض منها في متحف السكك الحديدية بالقاهرة، يحتفظ المتحف الذي يقع بجوار المحطة الرئيسية بواحدة من أقدم قاطرات العالم، طراز فريد لم يعد موجودا الا في هذا المتحف، وكانت مخصصة للقطار الملكي. منذ حوالي عشر سنوات كنت في الأقصر، واتجهت جنوبا الى كوم امبو حيث حقول قصب السكر الكثيفة، فوجئت بقطار من الطراز القديم، تندفع القاطرة بالبخار، لونها أسود، تجر عربات صغيرة مخصصة لنقل قصب السكر. كأني رأيت صديقا حميما طالت غيبته لهذا صفا قلبي ومررت بلحظات رقاق، استعدت خلالها ما كان في السنوات الأولى. صعودنا المتمهل الى القطار، العربات نظيفة. والمقاعد خالية الى درجة أننا نختار، ثم يستقر بنا الأمر متواجهين، أجلس في مواجهة أبي وأمي، الى جواري شقيقي اسماعيل، اتطلع من النافذة الى أعمدة التلغراف المتراصة الى الوراء، الى الأفق المستدير المتحرك طالما ان القطار يتقدم مطلقا صفيره الذي صار بالنسبة لي علامة وسمة ودافعا للذكرى، لكم تطور بي الأمر وركبت مع تقدمي في العمر أنواعا شتى من القطارات، خاصة في أوروبا التي يعتبر فيها وسيلة مواصلات رئيسية الى درجة توقعي انه الوسيلة الرئيسية للمستقبل، أصبح الانتقال بالقطار بين لندن وباريس عبر المانش أسهل وأيسر من الانتقال بالطائرة، فالقطار يصل الى وسط المدينتين مباشرة، وهكذا اختصر مسافة الانتقال من المطار الى المدينة عبر زحام الطرقات وتكدس العربات، لكم عرفت من القطارات الفاخرة، في ألمانيا واسبانيا وفرنسا وطبعا انجلترا أول بلد صفرت فيه قاطرة ولا تزال تحتفظ بشبكة متقدمة من السكك الحديدية. برغم ماعرفته من وسائل راحة، ورفاهية، واعتيادي الدرجة الأولى المكيفة، فإن حنيني دائما الى هذا القطار الذي كان ومازال يتحرك في تمام الثانية، وعندما اسافر الى سوهاج، أي الى جهينة، أركب القطار. ثمة قطار يتحرك في السابعة والنصف صباحا، معروف حتى الآن بالمجري، لأن أول سيره كان في الستينيات، وكان القطار مصنوعا في المجر، من درجتين، الثانية والاولى، مكيفة، انه مفتخر باصطلاحات أهلى في الصعيد، لا يقف الا على المدن الكبرى، مكيف، يصل الى سوهاج في الثانية والنصف ظهرا، يمكنني اجتياز مشارف جهينة في الرابعة، قبل الغروب، دائما قبل الغروب رغم أن الطرق أصبحت عامرة والحركة عليها كثيفة والكهرباء تغمر كل شبر. بعض ابناء سوهاج يفضلون السفر عن طريق الأقصر، يصلون اليها بالطائرة، ثم يعودون مسافة تزيد قليلا على مئتي كيلو متر، ولأن سفري الى الصعيد ليس سفرا في المكان والزمان، انما هو سفر في الذاكرة أيضاً في تراثي الخاص، لذلك أفضل القطار، دائما في الصباح الباكر، ودائما في مقعد مفرد، الى جوار النافذة، أحدق الى النخيل والمدن والقرى، تلك التي أمر بها أو تمر بي، والى أيامي النائية.