يقولون ـ للأسف ـ ان سالزبورج إحدى أجمل بقاع الأرض.. ونقول من جانبنا المتواضع للأسف لأن المرة الوحيدة التي زرنا فيها النمسا ـ وكان ذلك منذ عقود خلت من الزمن ـ كانت زيارتنا ذات طابع سياسي.. حيث كنا مكلفين أيامها بعقد اجتماعات فكرية وأيديولوجية مع الطلاب العرب الدارسين في أصقاع النمسا وقد أتوا الينا من فجاجها وشعابها و.. هات يا شعارات ويا خُطب حافلة.. مشحونة مثقلة بكلام وعبارات من عيار كجلمود صخر حطه السيل من عل.. وهو الكلام الكبير على حد ما يقول المصريون ـ أو هو الحنجوري على رأي صديقنا الساخر الأستاذ محمود السعدني. وحين عدنا بسلامته تعالى سألونا كيف رأيتم فيينا.. وكان الجواب أن رأينا عاصمة الهابسبورج الزاهرة من منظور وحيد ويتيم هو الجدران يستوي في ذلك جدران البيوت اليعربية التي استضافنا أصحابها في جلسات كانت تطول حتى صياح الديك.. النمساوي بطبيعة الحال.. وجدران الرابطات والاتحادات الطلابية والمهنية التي شهدت ما سقناه لك في السطور السالفة من جلاميد المفاهيم وصخور العقائديات والنظريات.. ثم وفي أحسن الأحوال جدران المطاعم التي اكتملت فيها عيوننا الذابلة من سهاد الحنجوري بالطلعة البهية لفتيات النمسا وقد أقمن على خدمتنا وارتدين لباس فلاحات جبال التيرول بألوان الطيف السبعة و.. دمتم.. كان هذا كل شيء.. كل نصيبنا من رحلة الى عاصمة النمسا.. فلا عشنا حكاية ليالي الأنس في فيينا التي تشدو بها أسمهان ولا زرنا أوبرا فيينا التي تتحادث بمجدها وابداعها القوافل والركبان.. دع عنك أن يقيض لنا يوم أن نجول في أنحاء الأراضي النمساوية الغَنَّاء وأن نزور بالتحديد سالزبورج التي كتب عنها الناقد الأمريكي جون روكويل مقالا في 22 يوليو الفضيل يصفها فيه أنها أجمل بقاع كوكب الأرض.. ويعدد آلاء هذا الجمال ما بين معمار الباروك الذي صممت منه الكاتدرائيات الى قلاع العصور الوسطى المنبثة فوق بساطها الأخضر.. الى الشوارع.. الأزقة الساجية الى دعة عبقة بعطر التاريخ.. الى نهر يصدق عليه وصف محمود حسن اسماعيل بأنه مسافر زاده الخيال.. والسحر والعطر والظلال.. ناهيك عن جمال الألب تحضن هذا كله فما بالك أن سالزبورج هي مسقط رأس موزار ـ أماديوس موتسارت.. الذي أبدع لوجدان البشرية أحلى وأعذب النغمات التي لم تخطر من قبل على أسماع البشر. نعم.. سقى الله سالزبورج ولو من بعيد لبعيد.. من فرط شغفنا بموسيقى موتسارت وقد وصفوه يوما بأنه (الطفل الرباني).. تظل المدينة مقيمة في صميم الفؤاد.. ويزيد اعزازها حين ترتبط في وجدان كل الأجيال المعاصرة بفيلم (صوت الموسيقى) الذي أجمعت البرية على أنه أجمل وأعذب وأنبل عمل سينمائي في العصر الحديث. في كل بيوت العالم.. يستوي في ذلك الكوخ والسراي ويستوي الموسرون والبسطاء.. تعتاد الأذن معاهدة محبة وحب وحنان مع أهازيج جولي أندروز وأسرة البارون النمساوي ـ الألماني.. قد لا يعرف الناس معنى الكلمات ولكنهم بالقطع يستجيبون الحبور ازاء ايقاع النغمات لا يكاد المرء يدري كيف كانت الحياة تكون بغير أنغام الموسيقى.. لا عجب أن وضعها المفكرون الرواد في مصاف الفلسفة ـ أم العلوم ورأس الحكمة في حياة البشر.. وأن ينبغ عالم الرياضيات ليصبح أيضا عالما في النغميات.. ألا ترى مثلا الى حكمائنا الكبار وهم أئمة الفلسفة الاسلامية وقد جمعوا الى علم الفلسفة درس الموسيقى وتنظيرها والتبحر في علومها.. يستوي في ذلك أعمامنا الكبار.. الكندي والفارابي وربما الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا. مع ذلك فكم ضيقت أقطار على أهلها فلم تكن تسمح لهم بمجرد سماع الفونوغراف أو الحاكي كما أسماه المجمع اللغوي.. اسطواناته كانت حيازتها فعلة مؤثمة.. أما سماع الاسطوانات فكانت جريمة يقع (مرتكبوها) تحت طائلة قانون العقوبات. يحكي الأستاذ يحيى حقي في سيرته الذاتية التي نشرها بعنوان (كُناسة الدكان) كيف كان الناس ـ في مستهل عقد الثلاثينيات يهربون اسطوانات عبدالوهاب في أحد أقطار العروبة ويجهدون في الاستماع اليها رغم بؤس حال الاسطوانة من الناحية الفنية ـ في غرفات مغلقة تحت درجة حرارة كانت تصل الى قرب الخمسين أجارك الله وعافاك.. يقول العم يحيى حقي: ـ كانت الوسيلة المفضلة في تهريب الاسطوانات هي وضعها بين ثوبين في طرد المانيفاتورة (رسالة الواردات من الأقمشة) والنتيجة أن كانت جميع اسطوانات ذلك الوقت (مقرطمة) طارت منها شطفة فلم يتمتع أحد قط بالاستماع الى أغنية من مطلعها في غرفة داخلية لا تطل على الشارع.. محكمة النوافذ حاشدة بشباب المستمعين المشوقين الى السماع (اعطني عقلك إذن من حيث درجة الحرارة.. بل ومستوى الاختناق) وضعوا الفونوغراف اليدوي تحت أريكة كبيرة (كان تشغيله من خلال يد معدنية تملأ الزنبرك يدويا ولا الحوجة الى كهرباء الحكومة) وفوق الجهاز البدائي وضعوا الاسطوانة المشطوفة.. وبعدها تصبح المسألة أقرب الى لعبة الحظ والصدفة لم يسمعوا يوما مطلع أغنية عبدالوهاب.. لا الدولاب الموسيقي ولا المذهب كما يقول أهل الصنعة.. وطارت للأسف عبارة شوقي الجميلة في (لحن زحلة) (يا جارة الوادي طربت).. الخ. قصاراهم أن تبدأ الاسطوانة بعبارة تقول: (.. ني ما يشبه الأحلام) أو (.. دني ما يشبه الأحلام.. هذا ما كان يمكن استخلاصه من كلمة ودعاني.. ما يشبه الأحلام من ذكراك(. في هذا الاطار الغريب يرسم الأستاذ يحيى حقي بريشة فنان مبدع موهوب صورة لا تنسى لجاره في هذه الحفلة (الكُتيمي) كما يسميها اسمه (حسين(.. كان يجيد عزف العود ولكن كان عوده مكسورا.. ويعزف على البيانو لكن البيانو ظل مفككا في مخزن البضائع في متجر ابيه، كان يصر على أن يدير بنفسه جهاز الفونوغراف، يكاد يلتهمه ويأكله أكلا.. وبين كل اسطوانة تنهيدة عميقة يتمتم بعدها بصوت حلو: يا ليل أو آه أنا عشفت (دور سيد درويش الخطير الشهير) أو مطلع دور عراقي (العم يحيى يقصد المقام العراقي( .. لم يكن (حسين) هذا مدعوا الى الحفل ولكنه سمع أصواتنا فدخل على استحياء الى البيت وهمس لي دون أن يسمع بقية جيرانه أنه تردد على السلمَ هل يطلع أم ينزل.. صراع بين أدبه وطربه انتصر فيه الطرب على الأدب.. فدخل علينا.. ولكن الجميع كانوا يعرفونه فقابلوه بفرح شديد.. أرأيت الى هذه العذابات ليتحملها الناس لكي يسمعوا نغما جميلا ويستمتعوا بفن هو أقرب الى السحر الحلال.. ونحن نكتب هذه الكلمات فيما لا تزال تهفو نفوسنا الى أن يقيض لنا يوم أن نشهد مهرجان موتسارت الموسيقي الذي تشهده مدينته الأم سالزبورج كل عام (بدأ مهرجان السنة الحالية يوم 21 يوليو ومن المقرر أن ينتهي يوم 31 أغسطس) وإن كان تاريخ المهرجان الحافل يعود الى عام 1920 ويعد ثاني اثنين من أهم المناسبات الموسيقية والغنائية في العالم كله.. جنبا الى جنب مع مهرجان ريتشارد فاجنر الذي ترجع بدايته تحديدا الى عام 1876. واذا كانت موسيقى موتسارت تتسم بالعذوبة فإن ابداعات فاجنر تتصف بالجزالة أنت هنا في معرض مقارنة الجمال والسحر والابداع بين رقة السوسنة وعذوبة العصفورة.. وبين شموخ الجبل وتدفق الشلال الهادر العظيم.. بين موتسارت وفاجنر وقد أثرى كلاهما وجدان البشرية بكل ما هو فاتن وجميل. ونريد أن نصدقك الحديث فنقول اننا نحب موتسارت.. ولكننا نهتم بفاجنر أكثر.. والغريب أن السبب لا علاقة له بالفن أو الموسيقى. إن فاجنر يكرهه اليهود ـ الصهاينة لأنه في رأيهم يكرس بموسيقاه الروح الجرمانية ـ السكسونية.. عظمة الشخصية الألمانية التي يمقتها اليهود في اسرائيل وفي العالم.. ولذلك فموسيقى هذا العبقري الألماني ممنوعة، بل محرمة داخل الكيان الصهيوني في اسرائيل.. ولذلك أيضا فنحن نحب ريتشارد فاجنر.