صعّد أعداء السلام في الشرق الأوسط، مؤخرا، من هجومهم في واشنطن. ويبدو انه لم يكفهم سفك الدماء الناتج عن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بل انهم كثفوا جهودهم من أجل تسميم النهج السياسي للولايات المتحدة تجاه الشعب الفلسطيني، على وجه الخصوص والعلاقات الأمريكية العربية على وجه العموم. والاجراءات الأخيرة التي اتخذها الكونجرس تعتبر مثالا على ذلك. فأعضاء الكونجرس يقومون بشكل يومي تقريبا باقتراح تشريعات غريبة تهدف إلى معاقبة الفلسطينيين أو اللبنانيين أو دول عربية أخرى أو انها تهدف إلى شق إسفين بين الولايات المتحدة والعالم العربي. وفي معظم الأحيان تكون هذه القرارات بعيدة المنال في أحسن الأحوال وتتضاءل الفرص أمامها للنجاح. ومن الأمثلة على ذلك الجهد الذي بذله عضو الكونجرس الأمريكي ايريك كانتور في الاسبوع الماضي لقطع المساعدات الأمريكية عن الفلسطينيين. واتهم كانتور السلطة الفلسطينية بالتورط في مخطط تدمير المسجد الأقصى. وفي بيان يحوي مشروع قانونه الهادف إلى وقف المساعدات الأمريكية للفلسطينيين، اتهم كانتور ياسر عرفات، بالاسم، والسلطة الفلسطينية بالتصرف على غرار «حركة طالبان». وقد وجدت هذه اللغة الخطابية الصاخبة ما يطابقها في التشريع المقترح لعضو الكونجرس إليوت انجيل الذي أدان السلطة الفلسطينية «لاستخدام الأطفال كجنود وحثهم على أعمال العنف والحرب». إن هذه الجهود وما يماثلها لن يكتب لها النجاح على الأرجح. ولكنها ستواصل تسميم الأجواء إذا لم ترد إلى نحرها مضيفة المزيد من التهم الباطلة التي ليس لها اجابة بحق الفلسطينيين إلى النهج السياسي الأمريكي. والمثال الآخر الواضح والمثير للانزعاج حول مدى ابتعاد النقاش في الكونجرس لقضايا الشرق الأوسط عن الأساس وقع في الاسبوع الماضي أيضا. ففي 29 يوليو، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» على صفحتها الأولى تحليلا عميقا واستثنائيا لانهيار قمة كامب ديفيد. ومن أهداف التحليل فضح الكثير من الأكاذيب المتحيزة ضد الفلسطينيين التي ظهرت منذ انهيار عملية السلام. وفي افتتاحية المقالة، أشار الكاتب إلى انه منذ فشل كامب ديفيد «طغت على الساحة رواية ساذجة في اسرائيل وإلى حد ما في أمريكا. وتنص هذه الرواية على ان باراك عرض على عرفات عرضا مغريا في كامب ديفيد الصيف الماضي لكن عرفات رفض العرض وأعطى الضوء الأخضر للانتفاضة واختار طريق العنف». وتابع الكاتب قائلا: «لكن العديد من الدبلوماسيين والمسئولين يعتقدون ان ديناميكية المفاوضات كانت أكثر تعقيدا وان ياسر عرفات لا يتحمل المسئولية وحده عن فشل جهود السلام». غير ان ما أثار الدهشة هو ان اليوم نفسه الذي قامت صحيفة «نيويورك تايمز» بفضح الأكاذيب المنحازة ضد الفلسطينيين شهد قيام أعضاء في الكونجرس بتكرار تلك الأكاذيب على شكل أسئلة شديدة اللهجة وجهت إلى مساعد وزير الخارجية الأمريكية ويليام بيرنز خلال جلسة للجنة العلاقات الدولية في الكونجرس. وعمد بعض الأعضاء الذين لم يكتفوا بأسئلتهم القاسية إلى تضمين تعليقاتهم باتهامات غاضبة وعبارات ذم مهينة موجهة للسلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات. وبالطبع، فان من المثير ملاحظة النفاق المطلق المتمثل في كل ما قيل. والمؤسسة نفسها التي تشجب التحريض الفلسطيني وتنتقد العرب لاستخدامهم «الأغلبية التلقائية» التي يملكونها في الأمم المتحدة «للتكتل» ضد إسرائيل لن تتوانى عن التحريض ضد الفلسطينيين واستغلال كل فرصة سانحة لاستخدام «أغلبيتها التلقائية» في الكونجرس للتكتل ضد الفلسطينيين. ويحسب للسفير بيرنز وقوفه في وجه العاصفة بحيادية مثالية. وقد استفادت الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط كثيرا من معالجته الواعية والحريصة لكل من القضايا ومن تحليله العميق والمتوازن للأزمة. وفي محاولة جادة للمساهمة في مواجهة انعدام التوازن في سياسة الكونجرس الأمريكي، قام المعهد العربي الأمريكي بالاشتراك مع المجلس القومي للعلاقات الأمريكية ـ العربية برعاية منتدى في كابيتول هيل الاسبوع المنصرم. وهذا المنتدى الذي استضافه عضو الكونجرس جون دنجيل (وهو ديمقراطي من ميتشيجان) قدم مؤسستينا وثلاثة من الدبلوماسيين العاملين في السفارات العربية لجمهور من أعضاء الكونجرس وموظفيه لمناقشة «التصورات العربية للانتفاضة وتأثيرها على العلاقات الأمريكية الاقليمية». افتتح دكتور جون دوك انتوني من المجلس القومي المنتدى بحديث عن العلاقات الأمريكية الخليجية وأثر الصراع الحالي على الرأي العام في تلك المنطقة الحساسة». وأشار إلى ان «قادة دول مجلس التعاون الخليجي تجد من الصعب عليها أن توفق بين التصريحات الأمريكية الرسمية وبين الأفعال والتراخي الأمريكي. فعلى سبيل المثال، تعتبر الجهود التي يبذلها الكونجرس لتقليص المساعدات الاقتصادية الأمريكية للبنان في العام المقبل بحيث تصبح تلك المساعدات مساوية لما تقدمه الولايات المتحدة في أقل من اسبوعين لاسرائيل، الدولة التي يضاهي دخل الفرد فيها نظيره في بريطانيا، تعتبر منافية للمنطق وبغيضة. ومن جانبه، قدم سفير الأردن مروان المعشر عددا من الملاحظات اللافتة كذلك. فقد ذهب إلى القول بأن الولايات المتحدة تعرض مصالحها وأصدقاءها للخطر باتباعها «سياسة متحيزة تماما». ومضى يشير إلى ان «هناك دولا عربية معتدلة بذلت جهودا خاصة وسبقت الآخرين في محاولاتها لانهاء النزاع والتوصل إلى تسوية. وهذه الدول اليوم تعيش على الهامش بسبب المواقف التي اتخذتها. فالوضع لا يحتمل بالنسبة لدول مثل الأردن». أما عضو الكونجرس نيك رحال (ديمقراطي من العرب الأمريكيين من ويست فرجينيا) فقد انتقد بشدة الحديث المعادي والمشوه في كابتول هيل. وأشار إلى ان العدد الوافر من القرارات المناهضة للفلسطينيين التي قدمت في الكونجرس «لن تساعد عملية السلام وكل وزير خارجية سبق له وأن تحدث هنا قال ذلك». وفي مداخلتي، ركزت على «الفجوة العميقة والمتنامية القائمة اليوم بين مفاهيم وتطلعات الناس في العالم العربي والسياسة الأمريكية ازاء تلك المنطقة». مستشهدا بقانون نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كمثال، أشرت إلى ان الاجراءات التي يتخذها الكونجرس تهدد العلاقات الأمريكية العربية بالخطر وتستعدي حتى أقوى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. والنتيجة الصرفة لكل ذلك تمثلت في غضب متزايد على الولايات المتحدة كفيل، إذا لم يتم تهدئته باتخاذ اجراء ايجابي، بأن يسبب مشكلات خطيرة في المستقبل. وتحدث في المنتدى أيضا ممثلون من سفارتي مصر وتونس والممثل الفلسطيني في واشنطن. كانت القاعة مليئة لدرجة تفوق طاقتها الاستيعابية والعشرات عادوا من الباب لانهم لم يستطيعوا العثور على مقعد أو مكان للوقوف. وبشكل عام، حضر موظفون من أكثر من 50 مكتبا تابعا للكونجرس الاجتماع الذي استمر أكثر من ساعتين. كان ذلك جهدا مفيدا في تقديم ترياق للغة الخطابية المسممة التي غالبا ما تميز النقاش في الكونجرس حول قضايا الشرق الأوسط. ولكن لا يزال هناك الكثير الذي ينبغي عمله في هذه المعركة الصعبة. ـ رئيس المعهد العربي الأمريكي