من الصعب التعريف الدقيق لمفاهيم مثل الحداثة او العصرنة او التقدم او التأخر وغيرها، غير انه من الممكن تحديد هوية جانب او بعض جوانب مفهوم من المفاهيم. ان احدى سمات الفكر الذي يمكن ان يوصف بالفكر غير التقليدي او الفكر غير المحافظ انه فكر نسبي وليس فكرا مطلقا، فكر يقر بالتعدد الفكري وبتعدد البدائل الفكرية المتعلقة بمسألة من المسائل. واحدى سمات المجتمع المتطور هي انه في سلوك افراده او سلوك قسم كبير من افراده للاقرار بالتعددية الفكرية وبوجود البدائل الفكرية وجود وأثر في سلوك افراد المجتمع. والفكر المطلق لا يتفق مع التعددية الفكرية ولا يتيح مكانا للتعددية الفكرية. الفكر المطلق لا يتفق مع الفكر النسبي. وحتى يكون الفكر تعدديا لابد من ان يكون نسبيا. الفكر المطلق هو الثنائية الفكرية. على سبيل المثال، نسبة صفة الجمال التام الى شيء تعد من الفكر المطلق لأنها اطلقت صفة الجمال على ذلك الشيء. وهذه الفكرة ثنائية لانه بنسبة الجمال المطلق الى شيء نسيت صفة القبح فيه، او بالعكس. ومن الامثلة على الثنائيات الشائعة التي يؤخذ بها: العقل والجنون، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والعلوي والسفلي. في عالم المدركات الحسية لا يوجد شيء يتسم بصفة مطلقة. واطلاق الصفة على الشيء معناه عدم المعرفة او عدم المعرفة الكافية بذلك الشيء. بين النقيضين الفكريين المطلقين، مثلا الجمال الكامل والقبح الكامل، والجرأة الكاملة والجبن الكامل، والتقدم الكامل والتأخر الكامل، والكمال والنقص، والحب والكره، درجات او حالات قد لا تحصى واقعة بينهما. وعلى نفس المنوال من الخطأ وصف تجربة الحداثة العربية بأنها فشل كامل. ومن الواضح انها ليست نجاحا كاملا. ومن نفس المنطلق من الخطأ القول ان جميع القيم الغربية او قيم الحداثة الغربية سيئة او ان جميعها طيبة، او ان جميع القيم العربية سيئة او ان جميعها طيبة، او ان جميع جوانب التراث العربي سيئة او ان جميعها طيبة. ومن نفس المنطلق من الخطأ القول انه يوجد تناقض كامل بين الثقافة العربية والثقافة الغربية. لان هذه الاقوال تعني اطلاق الصفة، مما يعني انكار التعددية الفكرية والاخذ بالثنائية الفكرية التي لا تقبل النسبية الفكرية. فالقول بالتناقض التام بين الثقافتين يعني وجود الثنائية بين التناقض التام والاتفاق التام. واحدى الوسائل المهمة التي من شأنها اضعاف نزعة الثنائية الفكرية هي توفر مجموعة عوامل تعمل على نحو متزامن، وهي تخفيض نسبة الامية ورفع المستوى الدراسي واشاعة قدر اكبر من الديمقراطية، والديمقراطية التامة مستحيلة، ورفع مستوى المعيشة وتطوير مفهوم المواطنة وتحقيق الأمن للمواطنين. ويمكن ان تحقق هذه العوامل على نحو تدريجي وفي أوقات متزامنة ومتعاقبة. ولن يحقق العرب والشعوب الأخرى التقدم ولن ينعموا بوسائل الدفاع الوافية بغرض الدفاع عن انفسهم الا بادراك عدم استساغة الفكر الثنائي وادراك نسبية الأشياء وسلامة الانطلاق الفكري، وسلكوا في حياتهم وفقا لذلك. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة