تعد الجامعات في المجتمع العربي بمثابة القلب الذي يغذي الجسم بالدم والذي لو توقف لمات الانسان على الفور، فالجامعات الغربية هي سر تقدم وحيوية المجتمعات الغربية وذلك لأنها تعد بيوت خبرة عالية المستوى ، تمد المجتمع بالمعلومات الحيوية والمهمة في كافة شئون الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية، ومن هنا فهناك تناغم بين هذه الجامعات وبين جميع قطاعات المجتمع من مؤسسات وشركات وحكومات وهي جميعها تدرك مكانة الجامعة وأهميتها بالنسبة للمجتمع وعلى هذا الاساس تدفع هذه المؤسسات والشركات مبالغ ضخمة لتلك الجامعات لتطوير الابحاث والدراسات وللقيام بمهام بحثية خاصة احيانا لصالح تلك الشركات مثل تطوير دواء معين أو اكتشاف مادة جديدة لعلاج مرض معين او تطوير وسائل العلاج وأساليبه بأجهزة حديثة او اختراع اجهزة لتطوير وسائل الانتاج ودفع عجلة الاقتصاد في مجال الصناعة او التجارة او البرمجيات والتكنولوجيا المتطورة ولهذا تحسب الجامعة من الجامعات المتقدمة ام لا بما تحتويه من مراكز ابحاث خاصة يقوم عليها مجموعة من الاساتذة المتخصصين كل في مجاله سواء في مجال العلم والتكنولوجيا او في مجال العلوم الانسانية. ورغم اننا في اجازة صيف الا انه موسم مزدحم بالنشاط العلمي والبحثي بجامعة لندن وخاصة كلية الدراسات الشرقية والافريقية التي تعنى بصفة خاصة بقضايا ومشكلات الشرق الاوسط فقد عقدت الجامعة مع بداية شهر يوليو مؤتمرا كبيرا عن القضية الفلسطينية حضره العديد من الخبراء من مختلف الاطراف وكانت الدكتورة حنان عشراوي ضمن المتحدثين في المؤتمر عن رؤيتها للأزمة الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية كما شارك في المؤتمر العديد من الخبراء في قضية الصراع العربي الاسرائيلي بالجامعات الغربية ومع نهاية الشهر عقد مؤتمر عن الاقتصاد في الشرق الاوسط وشمال افريقيا حضره العديد من المتخصصين من البلاد العربية والجامعات الاوروبية من امريكا والعديد من الدول الاوروبية ورغم حيوية الموضوعات وتنوعها الا ان المحاضرة الرئيسية في المؤتمر والتي ألقاها في ختام اليوم الثاني للمؤتمر استاذ الجغرافيا المخضرم في قضية المياه في الشرق الاوسط توني آلسن الاستاذ بجامعة لندن كانت ذا أهمية خاصة فيما يتصل بقضية التصحر وأزمة المياه في الشرق الاوسط في المستقبل القريب. لقد اشار الى ان المشكلة الخاصة بالمياه في الشرق الاوسط لم تظهر قبل عام 1970م لكن بعد ذلك تحدث المحللين عن ان المشكلة تعد مشكلة جماهيرية وان الحرب والصراع في المنطقة سيكون في المستقبل على المياه بصفة خاصة ولقد استحوذت السياسات المائية كقضية اقتصادية على اهتمام المنظمات الدولية كمنظمة الفاو والبنك الدولي في العقود الثلاثة الاخيرة خصوصا في ظل المشكلات الاقتصادية العالمية، لقد اكدت الدراسات على ان انخفاض المياه عن متطلبات الحياة الاقتصادية والزراعية والصناعية في نمو مستمر وخصوصا في منطقة الشرق الاوسط التي تعاني من قلة الامطار والتي تعد الآن خارج نطاق المناطق التي تعتمد في سياستها المائية على الامطار وربما كانت المنطقة الاولى التي تعاني من هذه المشكلة على مستوى العالم خصوصا في ظل النمو السكاني في العالم والذي بحسب تقدير المؤسسات الدولية سوف يزداد تعداد سكان العالم عام 2050 الى حوالي 9.4 مليارات يحتاجون الى مقابل من المياه يغطي احتياجاتهم للطعام والزراعة وفي حياتهم المعيشية خصوصا وان النمو يزداد اكثر في تلك المنطقة. ويوضح ان الدراسات الجادة والتحليلات تشير الى ان مواجهة مثل هذه المشكلة لا يمكن حلها من خلال الاعتماد على الرؤى الايديولوجية ولا التفسيرات الدينية لأنها قضية علمية في المقام الاول وتحتاج الى بذل مزيد من الجهد من قبل المتخصصين لمحاولة ايجاد وسيلة لتجديد موارد المياه وزيادتها لمواجهة الزيادة السكانية المتنامية خصوصا في المناطق التي تعد مواردها المائية ثابتة ومحدودة مثل منطقة الشرق الاوسط مما دفع بعض البلاد كإسرائيل الى محاولة التغلب على المشكلة بجلب المياه من السحب الموجودة بالجو بالطرق الصناعية للتغلب على هذه المشكلة كما ان هذه المشكلة تحتاج الى عناية خاصة من الساسة الذين عليهم تدبير الموارد المالية اللازمة للنظر في هذه القضية وما تحتاج من بحوث ودراسات وقد قدرت المؤسسات الدولية ان السياسات المائية ومواردها الاقتصادية تحتاج الى عدة بلايين من الدولارات لمواجهة تلك المشكلة العالمية الخطيرة، ان الوعي العالمي بهذه المشكلة زاد بنسبة 50% من السنوات الاخيرة وبالتحديد منذ عام 1990م لقد اظهرت الاحصاءات التي اجرتها المنظمات الدولية كالامم المتحدة والبنك الدولي ان العجز المائي في الفترة من 1990 وحتى عام 1995م كان يقدر سنويا بحوالي 1.48 بليون متر مكعب من المياه وصلت عام 1994 الى 1.07بليون متر مكعب. ان دولا كثيرة في منطقة الشرق الاوسط بدأت تشعر بأهمية تعديل سياستها المائية في نظام الري والزراعة لمواجهة هذه المشكلة الخطيرة فعلى سبيل المثال بدأت مصر والسعودية في تغيير سياستها الزراعية لمواجهة هذه المشكلة فمصر مثلا تؤكد على ضرورة زراعة محصول القطن الذي لا يحتاج الى مياه كثيرة قياسا بغيره من المحاصيل كالأرز مثلا الذي يحتاج الفدان الواحد اضعاف اضعاف ما يحتاجه فدان القطن، ان العجز المائي كمشكلة عالمية تزداد خطورة في منطقة الشرق الاوسط وان الدراسات ترشح تصاعد هذه الازمة وخصوصا وان التقدم التكنولوجي فيما يتصل بمواجهة هذه المشكلة عن طريق السياسة المائية كمشكلة اقتصادية عالمية وتعديل النظام الهيدرولوجي في منطقة الشرق الاوسط لم تحظ بالعناية الكافية من قبل القائمين على امور المياه والتخطيط لها في ظل موارد مائية محدودة وفي ظل ندرة الامطار التي ترشح. المنطقة بخروجها بالكامل من المنطاق التي تعد الامطار فيها من الموارد الأساسية للمياه وبالتالي ليست هناك موارد اضافية في المنطقة لتجديد تلك الموارد مما يركز على ضرورة الحلول العلمية واعتماد سياسات الترشيد وتوعية الجماهير والاستهلاك المائي والتي لا يمكن الاعتماد فيها على نظريات المخاطرة او المصادفة البحتة ولكن تتطلب الدراسات العلمية والاستعداد لمواجهتها بالتكنولوجيا العالية وخصوصا عن طريق نظام الهيدرولوجيا التي يقوم بتحلية المياه المالحة لسد العجز في نقص المياه العذبة. لقد نشرت جريدة الجارديان في ملحقها الاجتماعي محاضرة توني آسن على صفحتين ومعها صورة كبيرة لمزرعة نخيل في دولة الامارات العربية تحت عنوان «الخضرة في الصحراء» مما يؤكد أهمية تلك المشكلة ومما يعكس مكانة ألن كخبير مخضرم فيما يتصل بتقنية المياه في الشرق الاوسط وهذا ما تشير اليه ابحاثه المتعددة عن هذه القضية والتي القاها في العديد من المؤتمرات الدولية التي عقدت تحت اشراف هيئات ومؤسسات مهمة كالبنك الدولي، وهيئة الامم ومنظمة الفاو و غيرها من المنظمات لقد آن الاوان لكي ننظر بعين الاعتبار الى قضايانا الخاصة وان نحاول ايجاد الحلول العملية والعلمية لمواجهتها وهذا يتطلب تعاونا جماهيريا لمعاونة الدول والحكومات في التغلب على مثل هذه المشكلة التي تواجهنا جميعا والتي تتطلب منا وعيا علميا وعمليا بخطورة المشكلة حتى يمكننا التغلب عليها والتعامل معها بوعي فنرشد استهلاكنا من المياه ونحاول البحث عن موارد اخرى كتحلية المياه المالحة من البحار والمحيطات وما أكثرها، أو بالبحث عن المياه الجوفية المنتشرة في العديد من المناطق في عالمنا العربي او بتطوير الدراسات لمحاولة استخدام المياه المالحة في الزراعة خصوصا المحاصيل التي لا تتأثر بالمياه المالحة. ـ كاتب مصري ـ جامعة الامارات