كل شيء على ما يرام في العالم العربي، فلم يعد أحد معنيا بما يحدث على أرض فلسطين! فلسطين التي قامت كل الحروب العربية الاسرائيلية من أجلها طوال الخمسين عاما الماضية في طريقها للخروج الآن من الاهتمام العربي والذاكرة العربية لتصبح قضية الفلسطينيين وحدهم. فرغم الأحداث الهائلة التي وقعت خلال الايام القليلة الماضية، والتي تابعها الناس عبر شاشات التلفزة ووسائل الاعلام المختلفة منذ سعي الصهاينة لوضع ما يسمى بحجر أساس الهيكل المزعوم الى اقتحام المسجد الاقصى الذي دافع عنه الفلسطينيون بالأيدي والأحذية، الى قتل الاطفال والهجوم على المنازل وهدمها وقتل ناشطي الانتفاضة باسلوب اجرامي ارهابي دموي، كان ابرزه ما وقع في نابلس يوم الثلاثاء الماضي من قتل اثنين من قادة حماس السياسيين مع طفلين وأربعة شهداء آخرين بالصواريخ الأمريكية التي اطلقت من طائرات اباتشي الأمريكية.. كل هذا لم يحرك ساكنا لدى السياسيين العرب سوى بيانات هزيلة للشجب والادانة والطلب من الولايات المتحدة وأوروبا أن تتحرك، في تأكيد واضح على أن هناك عجزا عربيا تاما عن فعل أي شيء، أو هروبا من تحمل أي مسئولية لما يحدث! غير ان الامر الاكثر خزيا ان الشارع العربي هو الآخر حالته وردية مثل حال الساسة العرب، وذلك بعدما أصبح التعبير عن الرأي بالتظاهر او الاحتجاج او حرق العلم الاسرائيلي جريمة يحاكم عليها المواطن العربي في دولته اذا اقدم عليها، لأنها تقوض العملية الوهمية القائمة والتي تسمى بـ «عملية السلام»! فاذا كان الحكام والساسة العرب عاجزين عن القيام بشيء لوقف نزيف الدم الفلسطيني والجرائم الاسرائيلية، وعاجزين في نفس الوقت عن ممارسة أية ضغوط على الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة لاسرائيل وجرائمها ضد العرب، فلماذا لا يطلقون العنان للشعوب وباسلوب منظم ومستوعب لتكون هي أداة الضغط على الغرب، بدلا من قمعها كلما سعت لرفع رأسها حتى للتعبير عن قضية العرب والمسلمين جميعا وهي قضية فلسطين؟! لقد أصبح انتهاك المسجد الأقصى انتهاكا شبه يومي دون ان نسمع أو نرى تحركا جديا لحمايته، حتى ان أحد المسئولين الفلسطينيين قال لي ذات مرة «اننا نخشى ان يدمر الاقصى ويظل حال العرب كما هو.. حال المتفرج على ما يحدث». فرغم ان وزارة الخارجية الاسرائيلية تخشى من طرد سفيريها في القاهرة وعمان كما جاء في صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية في عددها الصادر يوم الاربعاء الماضي أول اغسطس كتوقع لاضعف رد عربي على ما يحدث للفلسطينيين، الا ان علم اسرائيل ما زال يرفرف في سماء العاصمتين العربيتين مبدداً المخاوف الاسرائيلية ومعلنا ان الحالة وردية هنا، وليست دموية كما يحدث في غزة ونابلس وطولكرم ومدن وقرى الضفة والقطاع وقبلها جميعا في القدس والاقصى الذي يدنس الآن كل ساعة دون ذكر أو اهتمام. والمخزي في الحالة الوردية العربية انه لا يوجد حتى مجرد تلويح بالتهديد للاسرائيليين على المستوى الرسمي، او ربما حتى استعداد له، بل هناك القاء القضية كلها في ايدي رعاة اسرائيل أمريكا والدول الغربية. لقد احتفظت بمعظم الصحف التي وصلتني طوال الايام الماضية، وعدت لقراءة العناوين الرئيسية بها قبل كتابة مقالي فوجدت كل عنوان كفيل بأن يقيم ثورة في نفس كل عربي وان يحرك فيه كل مشاعر المروءة والرجولة والعروبة والدين والغضب لأجل الارض والعرض والمقدسات. لقد اصبح المشهد العربي محزنا ومؤلما الى ابعد الحدود ولم يعد هناك سوى مشهد واحد هو الذي يبعث الأمل في النفوس هو مشهد اطفال فلسطين الذين يواجهون الدبابات والمدرعات بالحجارة، ومشهد المدافعين عن الاقصى بأحذيتهم وباشتباكات بأيدي خالية مع الجنود المدججين بالسلاح، ومشهد قوافل الشهداء التي تروي بدمائها ارض فلسطين، ومشهد آباء وأمهات وعائلات الشهداء وهم يحتسبونهم في سبيل الله والوطن.. فالمشهد الفلسطيني وحده رغم ألمه وجراحه أصبح هو مبعث الأمل في النفوس.. فالى متى سوف يبقى هنا المشهد الوردي في العالم العربي؟! ـ كاتب واعلامي مصري