العملية الارهابية الاخيرة (31 يوليو 2001) التي قام بها جيش الاحتلال الصهيوني ضد مدنيين بينهم بعض قياديي حماس في نابلس، وراح ضحيتها سبعة شهداء، بينهم طفلان شقيقان في العاشرة والثامنة من العمر، عملية نظيفة وتمت في اطار الدفاع عن النفس حسب وصف السياسيين والعسكريين والاعلاميين الصهاينة لها، وهي مما ارتاح اليه المستعمرون في فلسطين المحتلة، ومما سيتابع تنفيذه الكيان الصهيوني من عمليات لاغتيال قيادات وعناصر ناشطة في الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، حسب المصادر الصهيونية. واذا كنا امام منطق معاد بالغ الوقاحة ومثير للسخط والغضب، مثلما العمليات التي يقوم بها بالغة الخطورة ومثيرة لما هو ابعد من السخط والغضب بكثير، فإن الوقوف عند تصاعد سلسلة الاغتيالات المدروسة لقيادات الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية وناشطيها، منذ تسليم قوائم للسلطة الفلسطينية بأسماء من يجب القبض عليهم بعد اول اجتماعات امنية لتنفيذ مبادرة «تينيت» الممهدة لتنفيذ تقرير لجنة ميتشل حتى الآن، اصبح اكثر من ضرورة ملحة، واكثر من قضية تثير اسئلة كثيرة وتضع اشارات استفهام في مداخل المسارات التفاوضية واللقاءات الامنية والسياسية التي تتم مع العدو الصهيوني باشراف الـ ء.ى. او بواسطة الوسطاء المتجولين. ومن المؤكد ان هذه السلسلة من العمليات الاجرامية سوف تستمر لأنها خطة اعتمدت من حكومة الاحتلال، وأوكل تنفيذها الى الجيش وأجهزة المخابرات والشرطة والمستوطنين في توزيع منسق ومعلن. ولا يخفي الارهابي شارون وعناصر حكومته هذا الاختيار، الذي يجتهد بيريس ووزارته بتغطيته وتسويقه سياسيا ودبلوماسيا واعلاميا تحت ذرائع الدفاع عن النفس وملاحقة الارهاب. وإذا كنا قد سمعنا يوم الثلاثاء والاربعاء 31 يوليو والاول من اغسطس بعض كلمات الادانة الامريكية للعملية الاخيرة، التي نفذتها طائرات الاباتشي الهجومية الامريكية الصنع، من مثل استفزازية وغير مبررة، وغير مقبولة، ولا يمكن الدفاع عنها فإن مثل هذه الاعلانات الصحفية لا تنصرف الى ادانة الاستراتيجية ولا الخطة اللتين بموجبهما تتم هذه العمليات.. بل ان تينك الخطة والاستراتيجية الصهيونيتين مباركتان امريكيا وبريطانيا.. وما الموقف الذي تبديه الادارة الامريكية وبريطانيا من عملية نابلس الا امتصاص لنقمة الشارع العربي خوفا على مصالحهم في المنطقة. وقائع ودلالات ان مقاربتنا لموضوع مخطط تصفية القيادات والناشطين الفلسطينيين في صفوف الانتفاضة والمقاومة، تأخذ بالاعتبار المعطيات والوقائع والدلالات الآتية: 1) ان تلك التصفية الجسدية للعناصر الفلسطينية الناشطة بواسطة عمليات صهيونية ارهابية من اي نوع كان هي: أ) خطة معتمدة، مستمرة، مباركة او مسوغة من حليف الكيان الصهيوني الاول الولايات المتحدة الامريكية، ومعروضة فكرتها في الاجتماعات الامنية التي تتم باشراف الـ ء.ى. ضمن خيار: تقومون انتم او نقوم نحن بذلك.. ولما كنتم تعجزون او لا تريدون فنحن اولى بالتنفيذ وأقدر عليه.. ولكم ان تصرخوا بالاحتجاج كما تشاؤون فذلك امر مبرر ومفهوم وله ضروراته. ب) عمليات تقوم على معلومات دقيقة لا يستطيع العدو الصهيوني الحصول عليها من دون اعوان واختراق امني. جـ) ان من يقوم بتلك العمليات هو: جيش الاحتلال، وقوات الامن والشرطة: الموساد والشين بيت والشاباك، وكذلك المجموعات الارهابية في ثياب المستعمريين ومجموعات المستوطنين المشكلة بإشراف جيش الاحتلال وأجهزة الامن الصهيونية تحت مسميات ومسوغات مختلفة، وهي على غرار الهاغانا وزفاي ليومي وشيترن وسواها من التنظيمات الارهابية التي كانت تعمل ضد شعبنا الفلسطيني في النصف الاول من القرن الماضي. 2) ان هذه العمليات هي المظهر الفاقع لخطة تستهدف الشعب الفلسطيني كله، وتستهدف ارادته بالدرجة الاولى. وتأتي في اطار سلسلة اعمال مواكبة مكملة منها: هدم البيوت ـ تجريف التربة الزراعية والمزروعات ـ اقتلاع الاشجار ـ حصار المدن والقرى ـ الاستيلاء على الاراضي ـ توسيع دائرة الاستيطان ـ تهديد المسجد الاقصى... الخ من دون ان يكون على تلك الاعمال رد فعل عربي او دولي يؤدي الى وضع حد لها، وتوفير حماية للشعب الفلسطيني، ومن دون ان يتمكن ذلك الشعب ومقاومته من الخروج خارج دائرة الاحباط والتيئيس التي يراد زجه فيها، والعمل على قطع كل امل له بمناصرة عربية او استجابة دولية مجديتين. 3) ان هذه العمليات ستؤدي اهدافها بحصد عناصر المقاومة ونشطاء الانتفاضة لتسهل فرض شروط الكيان الصهيوني على المفاوض الفلسطيني، او تسوغ قبول هذا الاخير بتلك الشروط، ومن ثم تفضي الى جعل خطة ميتشيل هي نهاية الحلم والمطاف والامل في مسار التفاوض الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وتصبح مرجعية نهائية للقضية تجب مرجعية اوسلو التي جبت ما قبلها من مرجعيات. ومن الطبيعي ان يستدعي هذا النهج التصفوي ـ الارهابي الصهيوني ردا تقوم به الانتفاضة والمقاومة.. ولكن ما طبيعة هذا الرد، وما الذي يمكن ان يحققه.. وما هي اهدافه النهائية؟! وهل يقع ضمن خطة او استراتيجية فلسطينية شاملة او عربية متكاملة، ام انه فعل يتيم في محيط ظالم او اعمى وأصم؟! في مقاربة لهذا التساؤل نجد انه من حق الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية ان تردا على عمليات الاحتلال الارهابية الاجرامية! ومن حقهما المشروع ان تقاوما الاحتلال بوصفه تهديدا مباشرا للشعب والحياة والهوية.. وما يمكن ان تقوما به يأتي ضمن اقدس ما تكرسه حقوق الانسان في الدفاع عن النفس وعن الوطن والمقدسات. وحين تجد الانتفاضة والمقاومة الفلسطينيتان نفسيهما محاصرتين بالقتل والاغتيال والارهاب الصهيوني بأنواعه من جهة، وبالصمت العربي والدولي من جهة اخرى يصبح امامهما احد خيارين: اما الدفاع المستميت عن النفس والحق بالحياة بكل الوسائل والادوات والامكانيات المتاحة. او اختيار الصمت والحلول الانهزامية. والاختيار المؤكد في هذا المجال، من خلال ما نتابعه وتستقرئه ونقرؤه من علميات ومواقف وتصريحات، هو الاختيار الاول الذي يقع في خلفية الاختيار المشروع: خيار مقاومة الاحتلال بكل الوسائل. ومعنى هذا ان الانتفاضة والمقاومة المرشحتين للاستمرار وللقيام بعمليات موجعة ضد العدو، ثأرا لأرواح الشهداء ولمن دمرت مقومات حياتهم من المواطنين الفلسطينيين، سوف تحتاجان الى امكانيات مادية ومعنوية، تساعدهما على القيام بأعمال الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال. كما تحتاجان عمليات ومواقف مساندة عربية واسلامية تجعلما تشعران بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم! وتجعل العدو يعرف ان هناك من يناصرهم، او يمكن ان يناصرهم بغير الكلام. هذا اضافة لتغطية اعلامية وسياسية ودبلوماسية ومساندة ثقافية، تضع حدا للتشويه الذي تقوم به الاجهزة الصهيونية والامريكية لنضال صفوة الشعب الفلسطيني، الذي عانى الكثير وتعرض لظلم لا مثيل له وصمت مدان لا مثيل له ايضا، من جهات عربية واسلامية ودولية. ومن الطبيعي ان يكون استمرار فعل المقاومة والانتفاضة ودعمهما مؤثرا في مجالات عدة وجالبا لاحتمالات عدة ايضا، فالعدو الصهيوني سوف يقابل كل عملية بردود عدوانية واسعة، وسوف يستمر في عدوانه لتنفيذ برنامجه الموضوع لتصفية الانتفاضة والمقاومة وارادة الشعب الفلسطيني بشكل عام وهو ما يستدعي عمل المقاومة وفعلها اصلا. فهل يأخذ الصراع في هذه المرحلة صفة انتفاضة فلسطينية من دون بعد عربي فاعل بمواجهة الاحتلال الصهيوني بقواه وتحالفاته، ام ان الصيغة سوف تتغير ليكون العرب طرفا مع الانتفاضة بمواجهة العدو المحتل؟! حسابات المواجهة ان بقاء العرب متفرجين او على الحياد، او وسطاء كما تفعل بعض الاقطار العربية سيؤدي الى تصفية متصاعدة للشعب الفلسطيني وغطرسة متصاعدة للعنصرية الصهيونية وقوى الاحتلال وان تدخلا عربيا فاعلا الى جانب الانتفاضة دفاعا عنها سوف يقود الى مواجهة واسعة في المنطقة بين الكيان الصهيوني وحلفائه من جهة والعرب المناصرين للانتفاضة من جهة اخرى... مواجهة لا يعرف ما ستؤدي اليه من نتائج وخسائر. وهنا يدخل في عوامل الحدث ومعطياته والاحتمالات التي قد يسفر عنها عامل مؤثر في المناقشة المنطقية والتحليل والنتائج هو عامل القوة العربية المستعدة لخوض معركة دفاعا عن الانتفاضة وحماية للشعب الفلسطيني ومدى شمول هذه القوة وقدراتها ودقة حساباتها؟! ان الدخول في هذه الحسابات سيجعل الحكم على مواجهة عربية امرا ضئيل الحدوث واحتمالا مستبعدا لأن الاقطار العربية المستعدة للمواجهة قليلة ولكل قطر ظروفه وحساباته الضيقة التي تجعله شديد الحساسية كثير التردد في التعاطي مع الحدث ووقائعه واستحقاقاته ونتائجه، ومن ثم فقد تحجم الاقطار العربية عن التدخل الا اذا قام العدو بعدوان مباشر على اقطار معينة وأجبرها ذلك على خوض معركة للدفاع عن النفس ورد العدوان المباشر عنها، والمحافظة على وجودها في خضم غضب جماهيرها المنتظر. وهذا ان حدث سوف يضع الاقطار العربية في حالة حرج امام جماهيرها وامام مسئوليات قومية كانت ترفعها شعارا وتعطيها ظهرها عمليا وباستمرار. فهل يكون الاختيار مواجهة محدودة بين الانتفاضة والعدو؟! وهي مواجهة قد تكون لمصلحة العدو ويستمر فيها حتى يحقق أهدافه المعلنة منها وغير المعلنة؟! أم يكون الاحتمال واردا لجهة تدخل محدود لبعض الأقطار العربية يرجح احتمالات مواجهة واسعة تجعل العدو يعيد النظر ببعض حساباته وخططه وبرامج التصفية التي ينفذها؟! وهنا نتساءل: هل لنا ان نطمح الى شيء من ذلك في ظل بوارق امل ضعيفة منها انعقاد مكتب المقاطعة العربية للكيان الصهيوني للمرة الاولى منذ عام 1993 بصرف النظر عن النتائج التي اسفر عنها؟! ان الفعل البطولي للانتفاضة والمقاومة في فلسطين، ومواجهة اهلنا هناك للمحتل دفاعا عن الارض والقدس والاقصى الشريف، تفرضان علينا ان نبادر وان ندعو الى القيام بعمل فعال، قد لا يكون هو انعقاد قمة عربية مصغرة او موسعة تسفر عن بيانات واعلانات تمتص الغضب بينما يستمر نزيف الدم. ان المطلوب في ابسط حدوده هو تنفيذ القرارات التي اتخذتها قمم عربية سابقة، عادية واستثنائية، منذ قمة القاهرة حتى الآن. ويتمثل ذلك في ابسط حدوده بـ: ـ القيام بكل ما من شأنه تمكين المقاومة من الحاق خسائر مباشرة وموجعة بالعدو. ـ تهديد مصالح العدو وحليفه الامريكي المنتشرة في كل ارجاء الوطن العربي والعالم الاسلامي. ـ تشكيل مجموعات عمل عربية للقيام بعمليات مساندة للمقاومة في كل مكان يكون فيه مثل ذلك العمل مجديا. ـ التحرك العربي لمواجهة احتمال الاضطرار للرد على عدوان صهيوني واسع محتمل على اقطار عربية منها سوريا ولبنان تحديدا، او الاضطرار لتدخل من نوع ما لحماية ما تبقى من الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته الباسلة، في ظل العجز «او التواطؤ» الدولي عن تحقيق هذه الحماية. وعمل من هذا النوع يستدعي حملة سياسية ودبلوماسية واعلامية تقدم للعالم حقيقة الاجرام والارهاب الصهيونيين المتصاعدين، والخطة التي وضعها العدو لتصفية الشعب الفلسطيني والقضاء على مقومات الصمود لديه، وقتل اطفاله وتخريب البيئة التي تمكنه من الاستمرار في العيش والمقاومة. كما يستدعي التحرك نحو مواجهة الاستحقاق القادم الذي تفرضه روح العدوان العنصري المتصاعد، بالتوصل الى حد ادنى من التنسيق والتعاون العربيين في مجال توفير قوة عسكرية تتدخل عند الضرورة للدفاع عن الشعب الفلسطيني والتصدي للقوة الصهيونية الغازية التي ستفرض عدوانها بأشكال مختلفة. قد يكون مثل هذا التوجه مستبعدا في ظل الاوضاع العربية والدولية الراهنة.. ولكن ماذا نفعل اذا استغل العدو وحليفه الامريكي الاوضاع العربية والدولية الراهنة حتى النهاية، وفرضا علينا حربا، او استساغا تصفية المقاومة والانتفاضة كليا لفرض ما يشاءان من اوضاع وحلول وشروط على الشعب الفلسطيني والامة العربية؟! ومن العوامل التي تحدد اجابة على تسأول من هذا النوع مقاربة السؤال الآتي: هل لدينا نحن العرب استعداد لقبول هزيمة ساحقة من هذا النوع.. ام لدينا استعداد للوقوف بوجه العدو لمنع وقوع هزيمة من هذا النوع؟! انه القرار او التوجه الذي ينبغي ان نفكر فيه جيدا، وان ندرس احتمالاته جيدا، ومن ثم نعمل على ان يكون لنا موقف واختيار ورأي قبل فوات الاوان. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب