المشاورات حول انعقاد قمة عربية استثنائية لمواجهة الموقف المتفجر في الأرض المحتلة انتهت في القاهرة باعلان رسمي يدفن الفكرة إلى أجل غير مسمى! فبعد جولة ياسر عرفات في عدد من العواصم العربية انتهى به المطاف في القاهرة، حيث صرح ـ بعد لقائه بالرئيس المصري ـ بأنه لم يطلب عقد مثل هذه القمة خلال جولته، وإنما بحث مع الزعماء العرب ما يمكن عمله لمواجهة الموقف سواء بالقمة أو باجتماع المتابعة أو التحرك في مجلس الأمن أو باتجاه أوروبا أو دول عدم الانحياز ومجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى والدول الإسلامية والصين واليابان.. أي أنه بحث كل شئ ولا شئ! الرئيس المصري كان أكثر وضوحا وتحديدا فأعلن أنه ليس من المعقول كلما حدث شيء نقول قمة؟ ثم تساءل: ماذا ستفعل القمة؟ وأكد أن الاتصالات يمكن أن تحل المشكلة وأن تحقق نتائج أفضل! ماذا يعني ذلك في واقع الأمر؟ إنه يعني أن عقد القمة الاستثنائية قد تم بحثه، وأن المشاورات أدت إلى وأد الفكرة، وأن عرفات لم يجد حماسا لعقدها عند عواصم عربية كثيرة، وبالتالي فقد تم صرف النظر عنها. ولاشك أن الموقف المتفجر في الأرض المحتلة، وتصاعد العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، واقتحام المسجد الأقصى واعتماد سياسة القتل والاغتيال سياسة رسمية لحكومة شارون، واستعداد إسرائيل لاقتحام مناطق السلطة الفلسطينية، وتهديدات حكومة السفاحين بحرب شاملة ضد لبنان وسوريا وربما مصر.. كل هذه التطورات كانت ومازالت تستدعي القمة الاستثنائية الشاملة أو على الأقل القمة المصغرة التي تضم دول الطوق وبعض الدول العربية الأخرى المؤثرة. ومع ذلك فقد يكون تأجيل القمة خيرا وأبقى إذا لم تكن قادرة على اتخاذ موقف في مستوى الأحداث، وإذا كانت ستكتفي بتكرار بيانات الشجب والاستنكار، والتواطؤ الأمريكي والصمت الدولي. وإذا حدث ذلك فستكون كارثة تعرف الأنظمة العربية فداحة ثمنها.. خاصة أمام رأي عام عربي قد يكون صامتا لأسباب كثيرة لكن بخار الغضب قارب على الانفجار. القمة المطلوبة ينبغي أن تكون نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي. وأن تكون رسالة واضحة للجميع بأن الصبر قد نفد، وأن العدوان ينبغي أن يتوقف والجريمة لابد أن يكون لها عقاب، وأن شعب فلسطين لن يكون وحده ودول المواجهة لن تكون وحدها، وأن على العالم أن يتحمل مسئولياته في إقرار السلام أو يدفع تكلفة استمرار العدوان. القمة المطلوبة لاينبغي أن تكون استمرارا للقمم السابقة التي لم تنفذ قراراتها حتى الآن. وإنما ينبغي أن تكون قادرة على ان تؤكد بأن ما يحدث على أرض فلسطين قد تجاوز هذه القرارات.. سواء باستباحة المقدسات، أو إعلان حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، أو باستمرار الرغبة في التصعيد نحو الحرب الشاملة في ظل التواطؤ الأمريكي المشين. القمة العربية لن تنعقد للمطالبة بتنفيذ خطة رئيس المخابرات الأمريكية (تينيت) ولا لتثبيت وقف إطلاق النار أو إيقاف (العنف) ولا لمناشدة شارون أن يوقف حرب الإبادة التي يشنها على الأطفال الفلسطينيين، ولا لاستجداء أمريكا أن تضغط لتنفيذ خطة ميتشيل، أو التوسل لأوروبا لكي تتوسل لأمريكا لكي تتوسل بدورها لحكومة السفاحين الصهاينة لكي يقبلوا بصفة مراقبين يحددون من المعتدي ومن الضحية.. وكأن خمسين عاما من الاغتصاب والاحتلال وتشريد الملايين والمذابح التي تفوق فيها الصهاينة على النازيين لا تكفي لتحديد القاتل والقتيل. كل ذلك تجاوزته الأحداث، وأنهته جرائم إسرائيل التي توحدت ـ بيمينها ويسارها ـ حول حكومة السفاحين ومجرمي الحرب. ولم يعد أمام العرب إلا المقاومة أو إعلان الاستسلام. ورغم كل حديثنا عن العجز العربي ومسئولية الأنظمة العربية عن الموقف المتردي الذي نعيشه الآن، فإن المسئولية الحقيقية عن الازمة وعن الخروج منها تقع على السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات. ونعرف أن هذه السلطة تعيش ظروفا صعبة، ولكنها ينبغي أن تتحمل المسئولية وتراجع التجربة وتفتح صفحة جديدة قبل فوات الأوان. وليس هذا مجال كل الملفات.. من الفساد إلى تسلل الخيانة إلى مواقع كثيرة إلى سوء الإدارة وغيرها من الملفات التي لابد من معالجتها وبسرعة، ولكننا نركز هنا على الملف الأساسي من أوسلو وحتى الآن، والنهج الذي استند إليه وهو أن السلام في قبضة اليد، وأن إسرائيل مستعدة له، وأمريكا مصممة عليه. هذا النهج الذي أدى إلى تقديم التنازلات وحصار المقاومة وإجهاض الانتفاضة الأولى ومحاولة إجهاض الثانية، والذي انتهت إلى الموقف الحالي الذي تطلق فيه يد شارون وجنرالاته النازيين في قتل الكوادر الفلسطينية وتستمر فيه المذابح للأطفال والنساء، وتدنس فيه المقدسات، وتعلن فيه حكومة إسرائيل رسميا تبنيها لسياسة القتل المنظم ويتم اغتيال أي فرصة للتسوية التي تحولت إلى سراب. الموقف شديد الصعوبة، والركض وراء وهم إمكانية إقرار السلام مع الصهاينة خسر فيه الفلسطينيون كثيرا وبدد الكثير من طاقة الثورة واضاع احتشاد الشارع العربي حول قضيته المركزية بعد أن جاء وقت كانت فيه السلطة الفلسطينية هي الداعية للتطبيع مع العدو الصهيوني، وهي الساعية لإنهاء عزلته العربية والدولية.. باعتبار أن ذلك يطمئن الصهاينة ويعزز آمال التسوية وبعد أن جاء وقت رضيت فيه السلطة أن تدين كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال باعتباره إرهابا! وبعد أن جاء وقت كانت صواريخ إسرائيل تحصد أبطال الانتفاضة بينما عرفات يهنئ شارون بانتخابه رئيسا للوزراء! وبعد أن جاء وقت أصبح فيه التنسيق الأمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية والمخابرات الأمريكية هو الحقيقة الوحيدة التي تحكم الموقف في أراضي السلطة. والنتيجة واضحة في عمليات الاغتيال الأخيرة. الآن تتجاوز الأحداث كل ذلك.. ولم يعد ممكنا الرهان على الشريك الأمريكي، أو اليسار الإسرائيلي المزعوم، أو تغيير موقف شارون بعد وساطة ابنه، ولا انتظار الكثير حتى لو طبقوا خطة تينيت وتعزيز ميتشيل (وهذا لن يحدث ) فكل ما سيتحقق عندها أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة مع الاقرار بحق شارون في فرض شروطه وإقرار الحل الذي يقترحه والذي يخير الفلسطينيين بين أمرين: أن يتحولوا إلى عبيد في كانتونات منفصلة يخدمون الأسياد اليهود ويبنون المستوطنات للقادمين الجدد.. أو يتركوا هذا الجحيم وينضموا إلى ملايين اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من وطنهم المغتصب. وليس المطلوب الآن أن يبحث عرفات في خطة ميتشيل أو تينيت، ولا أن ينتظر الفرج من خلال مراقبين أمريكيين سيجلسون كما قال بنفسه في السفارة الأمريكية ويرسلوا التقارير التي لا قيمة لها. وليس المطلوب أن يطالب الفصائل الفلسطينية بأن تدفن شهداءها ثم تلتزم بـ (ضبط النفس) حتى لا تغضب أمريكا أو ينفذ شارون تهديداته بـ (الأسوأ). وكأن هناك ما هو أسوأ مما يحدث. وليس المطلوب أن يستمر حمام الدم الفلسطيني وأن تستمر الأوهام بسلام لن يتحقق في نفس الوقت. المطلوب الآن لحظة صدق مع النفس ومع الوطن تعيد الأمور الى نصابها. المطلوب إعلان رسمي فلسطيني يعلن أن العدوان الإسرائيلي الوحشي والتواطؤ الأمريكي قد وضعا كلمة النهاية للجهود والتي بدأتها السلطة في أوسلو وقدمت منها ما يمكن ومالا يمكن من تنازلات من أجل الوصول إلى تسوية سياسية مقبولة وان كانت غير عادلة. ومن هنا فان السلطة تعلن إيقاف أي تفاوض مع عدو لم يحترم التعهدات التي التزم بها ولم يطبق الاتفاقيات التي وقع عليها، وتعيد السلطة القضية إلى أصحابها الحقيقيين.. إلى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية. ومن هذا الموقف تنطلق السلطة إلى إعلان تمسكها بتطبيق قرارات الشرعية وحدها، والمطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة في يونيو 67. بهذا الموقف وحده توضع كل الأطراف أمام مسئولياتها. وفي هذه اللحظة يمكن دعوة القمة الاستثنائية العربية ولن يكون هناك عذر لمن يتخلف عنها، وبالعودة إلى منطق المواجهة تعود الحياة للحركة الشعبية العربية التي أجهضتها مواقف عرفات بأكثر مما فعل حصار الأنظمة. وسواء تحرك شارون في مواجهة ذلك وأعاد احتلال مناطق السلطة أو لم يفعل فإن الموقف لن يتغير. وعلى عرفات أن يتقدم للقمة بمطالب واضحة ومحددة لاستخدام ما تملك الأمة العربية من وسائل دعم النضال الفلسطيني وإرغام العالم على التحرك ووقف العدوان وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.. إن لم يكن احتراما للشرعية الدولية مخوفا على مصالح لن تكون آمنة إذا استمر العدوان الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي والصمت العالمي. بهذا وحده تخرج القضية الفلسطينية من زنزانة أوسلو التي تتم تصفيتها فيها، وبهذا وحده يوضع الجميع أمام مسئولياتهم.. العرب، وأمريكا ومعها أوروبا وقبلهم وبعدهم كل فصائل المقاومة الفلسطينية والسلطة نفسها التي ستعود في هذه اللحظة إلى موقعها كحركة مقاومة وتحرير.. لا كإدارة عاجزة يعشش فيها الفساد، ويتقاتل فيها المماليك الصغار، ويتلاعب بها تحالف أمريكا مع شارون. الموقف الحاسم وحده هو الذي يعيد اللحمة بين الفصائل في الداخل، ويعيد الاعتبار لمنطق المقاومة، وينهي الرهان الخائب على (سلام الشجعان) إياه الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من عجز وهوان، وأوصل الإسرائيليين إلى ما هم فيه من غطرسة وعدوانية ورفض لكل احتمالات التسوية. والموقف الحاسم وحده هو الذي يضع العرب ـ شعوبا وحكومات ـ أمام مسئولياتهم ويضع النهاية لحملة التزييف التي تقودها أمريكا والتي تساوي بين القاتل والقتيل، وتجعل استعادة الهدوء في أرض فلسطين هو الهدف وليس إنهاء الاحتلال ـ وتطالب العرب بقبول المنطق الأمريكي الذي يجعل من العراق ـ وليس إسرائيل ـ هو العدو، ويرفض أي جهود للمصالحة العربية لأنها لا تخدم مصالحه ولا تحقق له استمرار الهيمنة على الخليج وارتهان العراق، وابتزاز العرب، وفرض إسرائيل شريكا وحليفا أساسيا على حساب العرب المطالبين بدفع كل الفواتير وتحمل كل الخسائر. وبدون هذا الموقف الحاسم ـ سوف يستمر العدوان الإسرائيلي والعجز العربي، وسوف تستمر مأساة الشعب الفلسطيني ويتصاعد عدوان شارون وتواطؤ أمريكا. وسوف تجد العديد من الأنظمة العربية ما تبرر به قبول الهوان الأمريكي الإسرائيلي.. ولن يكون غريبا أن يقتحم الجنود الإسرائيليون المسجد الأقصى فلا نسمع من الجانب العربي إلا بيانات الشجب والاستنكار ـ وستقام المذابح للفلسطينيين بينما يتجول وزير إسرائيلي في عاصمة عربية ولا يخجل مسئول عربي من تبادل الزيارات العائلية مع الصهاينة وتبقى السفارات الإسرائيلية في عواصم عربية ـ وتعلن قطر ترحيبها باستقبال الإسرائيليين ليشاركوا في مؤتمر التجارة العالمي الذي يعقد بالدوحة.. وما خفي كان يمكن أن يكون هو العار نفسه لأصحابه.. لولا أن عرفات مازال قادرا على استقبال ابن شارون والتباحث معه حول (سلام الشجعان)! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية