على حدود الخط الفاصل بين معانقة الحياة ومواجهة المجهول كانت تودعه.. أو كان هو الذي يودعها في حقيقة الأمر.. عند الهزيع الأخير من الليل.. قبل أن يرتفع صوت المؤذن منادياً «الصلاة خير من النوم» كان يحمل عدة صيده.. تلك الأدوات القديمة التي لم تطلها يد الحداثة والتقدم بعد، ويركب قاربه الخشبي المتهالك.. يحدق جيداً في صفحة الماء.. ينظر بعيداً مخترقاً تلك العتمة.. يحاول أن يسبر غور البحر.. أن يتنبأ بحالة الطقس.. يغريه هدوء الماء فيرفع راحتيه بالدعاء أن يوفقه الله لصيد وفير هذه الليلة يوفر عليه مشقة الخروج يومين قادمين أو ثلاثة.. وعندما ينزل يديه المعروقتين ثانية يتأمل مقدار ما حفر المجدافان فيهما من خطوط وتضاريس ومقدار ما تركا عليهما من أثر.. يتحسس باطنهما فيخال له أنه يتحسس باطن كهف حجري في رأس جبل.. يعجب من لونهما الذي استحال إلى السواد لكثرة ما أطبقتا على ألواح المجاديف وما أمسكتا من أسيام القراقير «1» وحبالها وطول ما لبثتا في مياه البحر المالحة. يشعل فتيلة «الفنر» ذلك السراج الحديدي القديم الذي يعلوه الصدأ بعد أن يتأكد أن به ما يكفي من الجاز «2» ويضعه على مقدمة الزورق كي تتفاداه السفن الكبيرة والتكات «3» الداخلة الى الخور والخارجة منه في هذه الساعة المعتمة من الليل حيث يكون النوم قد أطبق على أعين البحارة وتلاعب النعاس بعيون اولئك المناوبين منهم فلم يعد بمقدورهم رؤية زورق صغير كزورقه يحسبه الناظر من فوق سفينة كبيرة ريشة سقطت من جناح طائر تتقاذفها الامواج لتلقي بها حيث شاءت لها الأقدار أن تستقر. ينزل قاربه في البحر ويدفعه رويداً رويداً في المياه الضحلة حتى يصل الماء إلى ما فوق ركبتيه ثم يقذف نفسه داخله في حركة يعجز عن ادائها شاب في مقتبل العمر، أما هو فقد أصبح يؤديها بتلقائية لكثرة ما قام بها على مدى سنوات عمره التي جاوزت الستين. «فوق الستين» إجابته التي لم تتغير منذ سنوات كلما سأله أحد عن عمره. كم عاماً فوق الستين؟ هو نفسه لا يعرف، وليس الأمر بذي أهمية كي يجهد نفسه لمعرفته ففي قرية ساحلية لا يأبه بها أحد مثل قريته هذه وفي مثل تلك الفترة من الزمن.. في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين ليس مهماً أن تعرف عمر الانسان فلا شيء سيترتب على ذلك إطلاقاً.. ليس ثمة قانون للخدمة المدنية سيحال المرء بموجبه للتقاعد عند سن معينة، وليس ثمة وزارة للشئون الاجتماعية ستتكرم عليه بإعانة سيعاني الأمرين حتى يحصل عليها ليجدها بعد ذلك لا تستر عورة محتاج ولا تسد رمق جائع. الشيء الوحيد الذي سيكون للسن تأثير لا يستطيع أن يتجاهله عليه هو فيما لو تقدم للزواج من فتاة صغيرة وتعرض للسؤال عن سنه. آه.. لماذا تنكأ جرحاً ما فتيء ينزّ دماً، وتفتّح أبواباً تتحاشى أن تلمس مقابضها؟ ينظر حوله.. لا شيء سوى الظلام يبدد عتمته ضوء القمر منعكساً على صفحة الماء.. ينظر ناحية السماء ليحدد موقعه على سطح البحر ويحسب كم من الوقت قد انقضى وكم تبقى للوصول الى المنطقة التي رمى فيها الدوابي «4» لا شيء سوى النجوم ترشده في عرض البحر فليس ثمة شجرة أو بيت أو معلم يهتدي به كما هو الحال على اليابسة.. عموما لم تعد هذه مشكلة بالنسبة له فالقارب نفسه أصبح يعرف طريقه في عرض البحر لكثرة ما أبحر في هذا الاتجاه. مرة أخرى يعود إلى تأثير السن وتلك العقبة التي يمثلها في طريق تنفيذ الفكرة التي تراوده منذ مدة.. هو لا ينكر أنه ليس شاباً كي يغري من يتقدم لها وأهلها ويجعلهم يوافقون عليه.. ولا ينكر أيضاً أنه ليس غنياً كي يشفع له ماله فيتغاضى أهل العروس عن كبر سنه إكراماً لخزائنه العامرة. آه.. كم كانت حياته ستتغير لو أن «حصة» أنجبت له ولداً كي يحمل اسمه ويتواصل نسله فلا يفنى ذكره. يقسم بينه وبين نفسه أنه لم يكن ليعترض لو أنها أنجبت له بنتاً حتى.. كان سيقنع نفسه بأن المولود القادم سيكون ولدا.. بنتان.. ثلاث بنات.. لا بأس.. سيظل الأمل قائماً.. أما أن تصوم تماما عن الإنجاب على مدى خمسة وثلاثين عاماً هي عمر زواجهما فذلك أمر فوق طاقته. هي نفسها لم تعترض على فكرة زواجه حين فاتحها في الأمر وإن كان قد حاول أن يغلفه بشيء من المزاح.. ولكن أين هي الفتاة التي ترضى به زوجاً والحال كما نعرف؟.. فكر في الزواج من امرأة مقاربة له في السن ولكنه خاف أن يكون قد فاتها قطار الانجاب هي الاخرى.. وعندها تصبح المصيبة مصيبتين.. ناهيك عن نظرات الشماتة التي ستلاحقه بها «حصة» .. ليس مهماً أن تشمت «حصة» ولكن المهم ألا تشيع أن العيب فيه فيصبح هو العاقر في نظر الناس. لا.. لا.. «حصة» أعقل من أن ترتكب حماقة كهذه.. ولكن ما يدريه بأنها لن تفعل هذا؟ أليست هي في النهاية امرأة كسائر النساء؟ أو لم يقل خطيب الجمعة قبل أسبوعين أو ثلاثة إن النساء ناقصات عقل ودين؟ لم يفهم ساعتها ما يعنيه الخطيب.. لكنه الآن يتذكره جيداً.. «حصة» ناقصة أولاد كذلك فهي عاقر لم تستطع ان تهبه الذرية التي طالما حلم بها. مضى وقت غير قليل كما يبدو قبل أن يدرك «خلفان» بأنه قد وصل الى المكان الذي القى فيه «قراقيره» وأن عليه أن يبدأ في سحبها لافراغ ما بها من أسماك والعودة إلى حيث ينتظره اليزّافة «5» وبائعو البسطات لشرائها منه وعرضها بالسوق أو نقلها إلى مناطق أخرى حيث السمك فيها أندر وأغلى. يسحب «دوبايته» الأولى.. لا بأس، فكمية السمك التي فيها معقولة.. وكذلك الثانية والثالثة.. الحمد لله.. في البحر خير كثير لم يبخل به يوماً على القاطنين على سواحله. في طريق العودة إلى البر تراوده تلك الأفكار مرة أخرى.. ثمة فكرة تلح عليه منذ فترة.. لماذا لا يفعل كما يفعل صديقه «مطر» رغم أنه لم يكن مضطراً لذلك إذ لديه من الابناء ـ ما شاء الله ـ تسعة؟ يقلّب الفكرة في رأسه مراراً ويستحسنها فهي وحدها الكفيلة بحل المشكلة التي تقضّ منامه وتنغص عليه حياته. في مساء ذلك اليوم بعد أن صلى العصر في المسجد وأمضى ما يقارب الساعة في حديث جانبي مع صديقه «مطر» عاد إلى بيته وقال لزوجته التي كانت تنتظره بدلة القهوة في حوش البيت: حصة.. جهزي لي شنطة الملابس فأنا مسافر بعد أيام مع مطر إلى «الهند». لم تنبس «حصة» ببنت شفة.. صبت فنجاناً من القهوة تناوله منها.. وفنجاناً آخر مضت تحمله في صمت إلى خيمتها تاركة إياه وعلامات الدهشة بادية على وجهه.. فلأول مرة تشرب «حصة» القهوة منذ أن اقترن بها وضمهما بيت واحد! 1 ـ أسيام القراقير: الاسيام الاسلاك، والقراقير جمع قرقور وهي وسائل صيد مصنوعة من الاسلاك على شكل نصف دائرة. 2 ـ الجاز: الكيروسين. 3 ـ التكات: الزوارق ذات المحركات وتقطر بها عادة الحاويات. 4 ـ الدوابي: جمع دوباية وهي القرقور الكبير. 5 ـ اليزّافة: الذين يشترون الاسماك بالجملة وعادة ما ينقلونها إلى مناطق أخرى.