مما لا شك فيه أن الحكومة الاسرائيلية الحالية سعت منذ اليوم الأول لتوليها مقاليد الحكم في اسرائيل، جاهدة بأقصى ما تمتلكه من أدوات القتل والخديعة، لخلق ما يمكنها من شتى الفرص والذرائع التي تتيح لها تنفيذ مخططاتها العدوانية، والتي رسمتها بشكل محكم ونهائي في أقبية رئاسة أركان جيش العدوان الإسرائيلي، بالشراكة مع كبار رؤساء أجهزة الأمن والاستخبارات، لخلق وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية. بعد أن توصلت الدوائر السياسية الإسرائيلية إلى قناعة مطلقة بأن تخفيض مستوى التسوية السياسية بات مستحيلاً، أو شبه مستحيل عند الطرف الفلسطيني، بعد فشل كامب ديفيد2، والذي اعتبر تحولاً نوعياً في الفكر السياسي الفلسطيني والعربي على حد سواء . وزاد هذا التحول وضوحاً، رزمة المواقف الرسمية الفلسطينية، التي صدرت في الأيام القليلة الماضية، والتي صبت جميعها في نقطة مركزية واحدة، بضرورة تأجيج المقاومة وابقاء جذوتها، جنباً إلى جنب مع المفاوضات السياسية والأمنية وحتى إبقائها على جنبات اللقاءات الهامشية الثنائية، التي لا تقدم ولا تؤخر بشيء على أغلب الظن. ولعل هذه المواقف الواضحة والمعلنة التي أطلقها القادة الفلسطينيون، أوصلت شارون إلى الحقيقة المرة، بأنه غير قادر على فرض شروطه على الفلسطينيين، فالحد الأدنى الضروري لاقناعهم يتجاوز بما لا يقاس ما هو على استعداد لتقديمه. كما بات يعي في الوقت عينه أن العودة إلى الطاولة المستديرة ستشكل امتحاناً قاسياً ليس له فقط بل لتوجهات حزبه على المستوى الأيديولوجي هذه المرة، الذي يتصف بالتطرف اليميني، وعلى مجمل العلاقات التوأمية القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، خاصة وأنه كما سلفه ايهود باراك، بات يدرك بعد ما يزيد على عشرة أشهر من تصاعد انتفاضة الأقصى، أن القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية ممثلة بالرئيس ياسر عرفات لن تقدم أكثر مما قدمت لايهود باراك في كامب ديفد2، الذي قدم هو الآخر، ما لا يجرؤ أحد على تقديمه إسرائيلياً. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن المحاولات الكبيرة والكثيرة جداً من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وعلى مدار سنوات الاحتلال المديدة، قد فشلت جميعها في خلق شريك فلسطيني وهمي قد يمرر ما تريده اسرائيل، رغم العسف الإسرائيلي والقمع اليومي اللذين تمارسهما قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية، باستخدام كل وسائل التدمير والقمع، والترهيب والترغيب. لهذا السبب على ما يبدو وجد شارون ضالته في دفع الفلسطينيين إلى ما يسمى بحافة الهاوية، من خلال العمليات الإرهابية التي تستهدف تصفية قادة وكوادر الأحزاب والقوى الفلسطينية، بعيداً عن خلفيات الانتماء السياسي لهذا الكادر أو ذاك، مستغلاً اليأس الفلسطيني من دور أمريكي محتمل، قد يلزم اسرائيل بتقديم الحلول الموضوعية، بغية الوصول إلى ما يشبه صيغة سلام مقبولة من جميع الأطراف إقليمياً ودولياً، يستطيع الجانب الفلسطيني الرسمي قبولها من جهة، وتقديمها كانتصار وطني وقومي على الصعيدين الفلسطيني والعربي، من جهة أخرى. يبدو أن كل التحركات والتحذيرات، التي وجهت لشارون من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وحتى وزير خارجيته شيمون بيريز، لم تثن شارون عن ما يخطط للقيام به، بدفع أجهزته العسكرية والأمنية إلى قلب القائمة هذه المرة، كمحاولة التفافية على كل الجهود السياسية والدبلوماسية، ليبدأ بعد ذلك عمليات اغتيالاته من الرقم 60 بدلاً من الرقم واحد ضمن قائمة الاغتيالات التي اعدها للقيادات الفلسطينية، أي من أسفل القائمة، على عكس ما كان يخطط له من قبل وبعض أقطاب اليمين الديني المتطرف. لكن في غمرة الحدث الدامي والمتكرر، ثمة سؤال يطفو على السطح: ما الرد الفلسطيني والعربي المحتمل، إزاء مثل هذه المخططات، بعد أن أسقطت غصن الزيتون الفلسطيني والعربي على حد سواء ؟ للإجابة عن هذا السؤال الصعب، يمكننا القول أن الفلسطينيين يمتلكون الكثير من الوسائل رغم تواضعها، وأن شارون سيواجه في الأيام القليلة المقبلة، هجمة صقورية ثانية تحمل كل المبررات، من بوابة «جبل النار» نابلس ومخيم الفارعة، وستعود ثانية السلطة بمؤسساتها لتنخرط بالفعل النضالي، باعتبار الانتفاضة هي بمثابة الإطار الاشمل والأعم. أما على الصعيد العربي، فقد وصل صانع السياسة العربية لقناعة تامة، بأن اسرائيل ماضية في العمل على تحقيق أحلامها التوسعية، وأن كل الاتفاقيات التي وقعت معها لم تثنها عن ممارسة كل الطرق الغير مشروعة في تحقيق تلك الأحلام، وهذا الأمر بالذات قد يعيد المنطقة إلى جولة جديدة من الحروب، اللهم إلا إذا دخلت الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة لتنفيذ كل الاتفاقيات، التي أبرمت بين الطرف الإسرائيلي والفلسطيني بحذافيرها. ـ كاتب فلسطيني