أتيح لي أن أدخل (المكتب البيضاوي) ـ مقر الرئيس الأمريكي - مرتين.. ورأيت (بيل كلينتون) و(جورج دبليو بوش) عن قرب.. ودخلت في حوار أقرب للدردشة مع وزير الخارجية الأسبق والأشهر (هنري كيسنجر) وكان في جامعة (جورج تاون) يلقي محاضرة عن الشرق الأوسط.. وزرت (الكونجرس) أكثر من مرة.. وفتحت نقاشا مع أبرز نجومه.. لكن كل ذلك يوضع في كفة.. وفنجان القهوة الذي شربته في مكتب (كاثرين جراهام) قبل أكثر من 20 سنة - بالتحديد في يونيو 1981 - في كفة أخرى. في ذلك الوقت كنت في زيارة للولايات المتحدة استغرقت شهرا وقطعت فيها تلك القارة العريضة المثيرة من شرقها في (نيويورك) الصاخبة الى غربها في (لوس أنجلوس) الدافئة ومن شمالها في (مينا بلس) الباردة الى جنوبها في (فينكس) التي يسكنها بقايا (الهنود الحمر).. وهي الرحلة التي انتهت بكتابي (أمريكا الجنة والنار) الذي فاز بجائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات بعد 5 سنوات.. وفي برنامج الرحلة الذي كان مشحونا بالمقابلات والزيارات كان موعدي مع (كاثرين جراهام) ناشرة صحيفة «واشنطن بوست» ومجلة «نيوزويك» وهما من مؤسسات القوة في البلاد.. ويكفي أن «واشنطن بوست» كانت هي التي فجرت فضيحة «ووتر جيت» التي أطاحت بالرئيس الأمريكي الأسبق «ريتشارد نيكسون».. ولم يكن «نيكسون» هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي واجهته «كيه» كما يدللونها في (واشنطن).. والتي توفيت مؤخرا بعد أن نشرت مذكراتها «تاريخ شخصي» التي تصدرت قائمة «أفضل المبيعات» والتي أثبتت فيها أن الصحافة سلطة «خالدة» لا يمكن الاستهانة بها.. فهي ممثل الادعاء نيابة عن المجتمع.. ولا يجوز أن تقف في قفص الاتهام ليحاسبها كل من هب ودب.. إن تحويل الصحافة من صاحبة جلالة الى جارية مملوكية لا تدفع ثمنه الصحافة فقط وإنما يسبقها المجتمع في دفع هذا الثمن أيضا.. وهو المعنى الذي خرجت به من لقائي الخاطف بـ (كاثرين جراهام).. وهو كذلك المعنى الذي سيطر على كل صفحة من صفحات مذكراتها الممتعة والمثيرة. كان الرئيس «ليندون جونسون» قد وجه لها الدعوة لقضاء يوم في مزرعته في (تكساس) لركوب زورقه السريع وقيادة سيارته بسرعة فائقة.. ولكنه عندما تذمر من زوجته التي كانت تعرف باسم (ليدي بيرد) لأنها عنفته على علاقته الخفية بامرأة يهودية تدعى (ماتيلدا) كان يعطيها كل شيء حتى صفقات السلاح الى اسرائيل تدخلت (كيه) قائلة: (لا تتحدث معها على هذا النحو إنها هي التي وضعتك في المكان الذي أنت فيه اليوم).. وغضب منها (جونسون وراح يشرح ويفسر.. لكنها قاطعته في حدة محرجة: أوه.. أسكت.. يا.. سيدي الرئيس).. وسكت (جونسون) الذي كان ثرثارا عدة لحظات قبل أن يغير موضوع الحديث. قبل ذلك كان زوج (كيه) الأنيق (فليب جراهام) قد وضع الرئيس (جون كيندي) و(البيت الأبيض) ووكالة (المخابرات المركزية) في حرج شديد أمام الرأي العام عندما هاجمت (نيوزويك) بضراوة الادارة الأمريكية في أزمة (ممر الخنازير) في (كوبا) عام 1961 التي كادت أن تؤدي الى مواجهة نووية بين (موسكو) و(واشنطن) في ذروة سنوات الحرب الباردة.. وكان (فيليب جراهام) من الأصدقاء المقربين (لكيندي).. لكنه اعتبر الحقيقة أكثر قربا إليه من الرئيس الأمريكي الشاب - الذي يلعب معه (الجولف) ويتغزلان معا في (مارلين مونرو) - ذاته. وكان متوقعا أن تسقط امبراطورية (فليب جراهام) بعد وفاته.. وبعد أن أصرت زوجته على ادارتها فهي لا تعرف عنها أي شيء.. ولم تتجاوز علاقتها بالصحافة قراءة مجلات الموضة والنميمة.. ولكن.. (كيه) اختارت (بين برادلي) ـ وهو واحد من أكثر المحررين جرأة - ليتولى المسئولية في «واشنطن بوست».. وكان اختيارا صائبا.. فهو لم يخذلها.. بل على العكس نجح في أن يضرب ضربتين سياسيتين في وقت واحد.. أيام حكم الرئيس (نيكسون). كانت الضربة الأولى هي التي عرفت بأوراق (البنتاجون) أو وزارة الدفاع الأمريكية.. لقد منع (البنتاجون) بقرار من قاض فيدرالي صحيفة «نيويورك تايمز» من نشر هذه الأوراق التي تكشف السجل السري لتورط الحكومة في حرب (فيتنام).. وكان رأي (برادلي) و(كيه).. أن تنشر «واشنطن بوست» هذه الأوراق التي حصلت على نسخة مسروقة منها.. وفي ذلك الوقت كانت شركة «واشنطن بوست» على وشك أن تطرح أسهمها للبيع علنا في البورصة.. وكان أي خطأ في النشر أو تحويلها الى المحكمة يمكن أن يشكل للصحيفة كارثة مالية.. وكان (برادلي) يضغط للنشر.. ووافقت (كيه) على النشر (برعب وتوتر) كما كتبت فيما بعد في مذكراتها.. أخذت جرعة كبيرة من الشجاعة ثم قالت: (أمض قدما.. أمض قدما.. أمض قدما.. دعونا ننشر).. لقد قامرت.. وربحت.. فقد حكمت المحكمة لصالح «واشنطن بوست» التي قفزت في هذه الضربة الى القمة.. أو تساوت على الأقل مع «نيويورك تايمز» التي كانت تسبقها - في بورصة الصحافة - بعشر درجات. أما الضربة الأخرى فهي الأكثر شهرة.. وهي ضربة (ووتر جيت) التي أجبرت (نيكسون) على الاستقالة.. لقد وصل الى علم الصحفيين الشابين (بوب وود وورد) وكارل برنشتين - وكانا في بداية حياتهما الصحفية يتابعان مخالفات الغش التجاري - معلومات من مصادر مجهولة يصعب الافصاح عنها أن وزير العدل (جون ميتشل) يتحكم في صندوق مالي سري يستخدم في عمليات التجسس الغامضة على مقر الحزب (الديمقراطي) المنافس.. كان ذلك في (يونيو 1972).. وعندما واجهوا (ميتشل) بما لديهم انتفض قائلا: (يا إلهي.. إذا نشرتم مثل هذا الكلام فسوف تجد كاثرين جراهام ثديها في عصارة ملابس كبيرة).. ونقل اليها (برنشتين) ما سمع فقالت له: (أنشر نص ما قال باستثناء كلمة ثدي).. وبعد أن كسبت الصحيفة المعركة الخطرة لم تشعر بالشماتة.. وبعث إليها طبيب أسنان في ولاية (كاليفورنيا) هدية رمزية. عصارة ملابس ذهبية صغيرة.. ثم أعطاها الكاتب الساخر آرت بوكوالد صدرا ذهبيا صغيرا يتماشى معها.. وكانت ترتديها بفخر الى أن هدد أحدهم باخطار أعمدة النميمة والقيل والقال. إن من الصعب بعد كل هذه السنوات العديدة على استقالة (نيكسون) المخزية تفهم الشعور بالقلق والوحدة والمجازفة في غرفة صناعة الأخبار والعناوين الرئيسية في «واشنطن بوست» في الأيام المبكرة من (ووتر جيت).. لقد كان رهانا بالدم والسمعة.. وكانت خسارته تعني السقوط في الهاوية لصحيفة كانت تراهن على القمة.. وقد كسبت الرهان.. وفازت بجائزة (بوليتزر) أرفع جائزة تمنح للصحافة الأمريكية.. وأنتجت هوليوود فيلما عنها وعن الفضيحة بعنوان «كل رجال الرئيس».. وقفز (وود وورد) و(برنشتين) الى مانشيتات الصفحة الأولى في كل صحافة الدنيا. لكن.. هذه المرأة الحديدية - التي ولدت في عام 1917 - صدمت الناس عندما نشرت مذكراتها في عام 1997.. فهي تصف نفسها بأنها (زوجة مظلومة).. و(مواطنة من الدرجة الثانية).. و(امرأة خجولة وهشة بدرجة مؤلمة).. وذات مرة وصفت مجتمع (واشنطن) الارستقراطي الذي تدعوه كثيرا في منزلها الفاخر بحي (جورج تاون) بأنه مثل الطعام المسموم وقالت: (إنني أكره مثل هؤلاء البشر.. ومثل هذه الأشياء).. ورغم شهرة زوجها في الأناقة فإنها لم تكن تهتم بما ترتدي.. وكانت تشعر بأنها (زرية الملبس وكئيبة الى حد لا يمكن توقعه).. على أنها في الوقت نفسه كانت تتمتع بروح دعابة مرحة بدرجة لا تضاهى.. ربما الى درجة السخرية السوداء وسلاطة اللسان.. وكانت تحب القيل والقال.. وتستهلك وقتا طويلا في تبادل النميمة والترويج لها.. لكنها لم تكن أي نميمة.. إنها نميمة امرأة تعرف أمعاء المشاهير والسياسيين ونجوم السينما.. وتستطيع أن تخيفهم الى حد الموت مما تعرف عنهم. و(كاثرين) هي ابنة مصرفي ثري أخفى جذوره اليهودية.. وقد تربت على قراءة الروايات البوليسية والعاطفية الساذجة.. وكان ذلك بسبب ضعف علاقتها بأمها (آجيس ماير).. وكانت امرأة أنانية.. تعامل ابنتها بقسوة وصلت الى حد أنها لم تكن تقابلها إلا بموعد سابق.. وكانت دائمة السخرية من آرائها وتصرفاتها.. بل كانت تصفها أحيانا (بالخنزيرة).. وعندما تزوجت (كيه) تصورت أنها ستخرج من الجحيم وتستقر في الجنة.. خاصة وأن أباها اشترى لها محطة تلفزيون ومجلة (نيوزويك) هدية الزواج.. ولكن زوجها (فيليب جراهام) لم يعاملها باحترام وكان يصفها بأنها مثل (ذيل الطائرة الورقية).. وهو ما عكس شخصية متعجرفة رغم دوره الواضح والمؤثر في تطوير «واشنطن بوست».. وقد انتهى الى اصابته باكتئاب حاد.. وفي يوم من أيام صيف عام 1963 أطلق على نفسه النار.. وعثرت عليه (كيه) وهو غارق في دمائه.. ولملمت دموعها في صمت.. وعزلت نفسها سبعة أيام.. ثم دعت الى اجتماع لبحث مستقبل صحفها ومجلاتها. لم يكن من السهل عليها أن تواجه مصاعب الادارة في مؤسسة مثل «واشنطن بوست».. وكادت تتنازل عنها لابنها (دونالد) الذي كان لا يزال طالبا في جامعة (هارفارد).. ولكنها لم تجد مفرا من مواجهة مصيرها.. وقد أمضت ساعات طويلة أمام المرآة للتمرن على ترديد العبارات التي ستقولها أمام المحررين والاداريين الكبار.. قد نسيت كما هي العادة في مثل هذه التمارين كل ما حفظته.. ووجدت نفسها تبكي أمامهم وتقول: إنها تعتبر نفسها امرأة لكل رجل من الرجال الذين يجلسون أمامها دون أن تذهب معهم الى نهاية الشوط.. فضحكوا جميعا وقاموا يربتون عليها.. وفي تلك اللحظة ولدت شخصية (كاثرين جراهام) التي نعتها مجلة «نيوزويك» بعد وفاتها - عن عمر يناهز 84 عاما بسبب نزيف في المخ عقب سقوطها مغشيا عليها - بأنها (أثر أمريكي أصيل). ولم تتردد (كيه) في اتخاذ أذكى خطوة في حياتها بتعيين (بين برادلي) مديرا لتحرير «واشنطن بوست».. الذي كان يناديها بكلمة (ماما).. والذي كان يداعبها ويغازلها الى أن ودعها الى مثواها الأخير.. إنه أنيق الملبس وحيوي التفكير وهو ما ذكرها بزوجها وإن كان أكثر ثباتا منه.. ولكنه كصانع للصحيفة كان يجمع بين الفظاظة التي يستحقها الكسالى والحلاوة التي يستحقها مجانين التميز الصحفي.. وقد جرت بينهما مناوشات لا حصر لها كان يقول خلالها: (كيه من فضلك ارفعي إصبعك عن عيني).. لكنها كانت تسانده حينما كانت زوجة الرئيس وزوجات السياسيين والوزراء ورجال الرئيس يتصلن بها وهن في حالة غضب وتذمر على ما ينشر عليهن.. وكانت تقول له: (لو جاملنا كل من نعرف فلن نجد قارئا واحدا يجاملنا).. (إن الصحافة مهمتها مواجهة الأقوياء والدفاع عن الضعفاء).. والصحيفة الناجحة هي التي تدخل في مشاكل تقترب بها الى حافة الهاوية.. إما تسقط لأنها لا تستطيع الحياة.. أو تخرج من الأزمة لأنها قادرة على التحليق والطيران.. (إن الذين يمشون في الظل سيبقون في الظل.. والذين يحترفون الضوء لن يتركهم الضوء).. و(خير للصحيفة أن تموت وهي تواجه جبروت القوة على أن تعيش على موائدها تنعم بخيراتها.. وكانت تضيف: (إن الصحف يجب أن تقوى بعضها البعض بالمنافسة.. فالمنافسة تعود على الجميع بالخير والازدهار.. ولا أمل في صحافة تبيع شرفها بالاتفاق السري مع بعض مراكز القوى مهما كانت.. ولو تصورت صحيفة أنها ستكسب بالقضاء على صحيفة أخرى بطريقة غير محترمة فإنها ستموت قبلها وستدفن في اللحظة نفسها التي فقدت فيها احترامها). لقد تطورت امبراطورية «واشنطن بوست» حتى أصبحت قيمتها حوالي 2.5 مليار دولار.. ورغم أن المحررين والاداريين يملكون أسهما في الصحيفة فإن (كيه) حافظت على الطابع العائلي لها وضمنت أن تبقى السيطرة عليها في يد أبنائها.. إن ابنها الأكبردونالد (هو المدير التنفيذي للشركة التي تملك الصحيفة)،، وابنتها (لالي) محررة في «نيوزويك» وكاتبة عمود في «واشنطن بوست».. وإن كان ابنها (ويليام) مستثمر في الساحل الغربي.. وابنها الأصغر (ستيفن) منتج مسرحي يستعد لنيل الدكتوراه. وعندما قابلتها كانت على وشك دخول اجتماع لمجلس ادارتها.. وربما لهذا السبب كان لقائي معها في قاعة الاجتماعات في انتظار باقي الأعضاء.. وعددهم 24 عضوا.. كلهم من الرجال.. ولم تكن تعرف من الصحافة العربية سوى (الأهرام).. وكانت تؤمن بأن الدماء الشابة هي التي تنقذ الصحافة من الركود وتجدد حيويتها.. وقالت: إن هذا السبب هو الذي جعلها تقابلني.. وتسمع مني.. رحت أحدثها عن الصحافة في مصر.. ونظرتنا الى اسرائيل.. وسر العداء لبلادها.. وصورة المرأة في بلادي.. فقد كانت تتصورها جارية في بلاط ألف ليلة وليلة.. وتتصورنا نعيش بين الجمال والتماسيح ولم نتجاوز بعد مرحلة الحياة فوق الشجر.. وأهدتني نسخة من «واشنطن بوس» يوم سقوط (نيكسون).. ووقعت عليها.. لكنها ضاعت - مثل أشياء كثيرة وثمينة - في زحام الحياة. ـ كاتب وصحافي مصري