يجمع العالم ومنذ ثلاثة أو أربعة عقود على الإعجاب بالتجربة اليابانية التي أوصلت بلاد الشمس المشرقة إلى الجلوس على قمة التكنولوجيا وإنتاج أحدث وسائل العصر الالكترونية. ورغم ما في هذه التجربة من مواضع ومواضيع تستحق الاهتمام، بل وتستدعي الاقتداء من كافة الأمم، إلا ان حكاية صديقتي «حصة» تقول غير ذلك، وتشي بالكثير عما يسود أفكار مجتمعاتنا الرجالية في رؤيتها لما بلغته اليابان خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي فترة لا تزيد على الـ 60 عاما تقريباً. ونعود إلى حكاية حصة صديقتي التي آلمها كثيراً ما يردده زوجها مع أصدقائه في مجالسهم اليومية عن طبيعة المرأة العربية، وما تثيره في محيط أسرتها من متاعب تشكو منها الأزواج مر الشكوى، وإلى الحد الذي استقر فيه الرجال على رأي واحد وتكرر دائماً وكثيراً أكد فيه الأصدقاء ومنهم زوجها بالطبع على ان المرأة اليابانية هي النموذج الحلم للرجل العربي المعتز بشرقيته وتقاليده الموروثة التي لم ولن تغيرها كل معارفه الحديثة وزياراته التي لا تتوقف لأقطار الدنيا في الشرق والغرب. ولم تجد حصة صديقتي الطيبة المثقفة والمحبة لزوجها وأسرتها سوى ان تفكر في طريقة ترضي الزوج، وتقضي على متاعبه المزعومة التي فوجئت بأنها متهمة ومعها كل النساء العربيات بالتسبب فيها للأزواج، كما رددوا في مجالسهم. وقررت الصديقة بكل اخلاص ونكران للذات ان تكون البادئة بتحقيق ما جاش في نفس زوجها بأن تتعامل معه كما تتعامل المرأة اليابانية مع بعلها. ومع نجاحها في تقمص شخصية الزوجة اليابانية اتسعت دائرة انتشار التجربة حتى أصبحت موجودة في بيوت كل صديقاتها، بل وأخذت في الانتقال تدريجيا إلى معظم بيوت الفريج. ورغم ان ما كان يغيظ صديقتي حصة ان زوجها الذي زار اليابان لعدة مرات لم يتوقف عند التطور الهائل للعلم والتكنولوجيا هناك، ولم يسترع نظره تلك الصناعات التي لا يستغني عنها العصر، ولم يحاول تقليد اليابانيين في احترامهم الشديد للعمل وادمانهم الاخلاص فيه. بل فقط كل ما أعجبه هناك وسيطر على فكره هو أسلوب تعامل المرأة اليابانية مع زوجها وطاعتها الكاملة له، لم تتذمر حصة ولم تشك، لم تبك ولم تضجر، بل عقدت العزم على ان تمنح زوجها ما يبغي، وكانت البداية حين أخذت حصة تتلقى دروساً في ارتداء «الكيمونو» ثم شرعت في تنفيذ الجدول الذي أعدته لنفسها لا تخطئه قدر الامكان في سبيل تحقيق كل ما يبعث راحة وسكينة لنفس زوجها. الهدوء والصوت الخافت أهم ما أصبح يميز بيتها وإن كان الزوج نائماً فإن حصة لا تنسى ان تخلع صندلها الخشبي «جيتا» فلا تزعجه بصوته، وحينما يحين موعد استيقاظه من نوم أو قيلولة فإنها لا تفعل مثل غيرها بايقاظه بصوت عال أو عبر منبه الساعة، بل كانت تبدأ في العزف على «شاكو هاتشي» وهي آلة موسيقية من الخيزران تشبه الناي، وإن لم يستيقظ على أنغامها لجأت إلى «شاميسن» وهي آلة موسيقية بثلاثة أوتار تشبه الجيتار فتأخذ بالعزف عليها بالريشة حتى يصحو في أمان ونفسه منشرحة، ليتناول فطوره الذي يكون أحياناً «كونتيننتال» أو يضم خبز خمير والبلاليط والبيض حرصاً منها على ان يظل انتماء زوجها لموروث شعبه الغذائي قائماً، وطوال وقت الافطار تظل واقفة بين يديه تناوله بين الحين والآخر كوباً من العصير أو فنجاناً من القهوة حسب رغبته التي تعد أمراً لا يرد. وتبقى المسكينة هكذا حتى ينتهي من تناول الفطور لتنصرف بعدها إلى بقية الأعمال المنزلية من غسيل وتنظيف وكي، تقوم بها بنفسها بعد ان استغنت عن الخادمة لتزيد شعورها لهويتها الجديدة كيابانية، وإن كانت مقلدة وغير أصلية. وفي المطبخ يأتي دور إعداد الوجبات التي يكون الزوج قد أعلن عن قائمتها سلفاً ومن بينها بالطبع أشهر الأطباق اليابانية وفي مقدمتها الأرز والخضروات والمخللات من بينها الـ «شويو» وهي صلصة تصنع من فول الصويا ولاتنسى ان تضيف من عندها اطباقاً مثل المكبوس والبرياني ومعها «الداقوس». اما فترة بعد الظهر فلم تكن حصة تنسى تقديم الشاي الاخضر «أوتشا» لزوجها، بينما هو جالس في حديقة المنزل بين الخضرة والماء. وكما اعتادت وفقاً لحياتها الجديدة ان تمضي اوقات فراغها دون فتح خطوط الثرثرة والنميمة مع صديقاتها بل كانت تستثمر كل وقت ممكن في تطبيق ما تعلمته من دروس في «الايكيبانا» وهو فن تنسيق الزهور. وعندما يأتي المساء ويهم الزوج بالخروج للسهر مع أصدقائه، فإنها لم تكن تقف له بالمرصاد عند الباب كشرطي المرور بل كانت تبادر بمساعدته على التهيؤ لهذا الخروج فتتأكد من اكتمال أناقته وترشه بالعطور والدخون، وعند الباب تودعه بالدعاء مصحوباً بتمنياتها القلبية له بقضاء سهرة سعيدة، دون أن تلح عليه بالعودة مبكراً وعندما تجد نفسها وحيدة في المنزل فإنها تتجه الى الامساك بكتاب تقرأه وهي تجلس على كرسي هزاز في انتظار عودة البعل الساهر وتسرح مع السطور والصفحات حتى تسمع محرك سيارته فتهب من مقعدها المريح واقفة لتصل الى المدخل كي تستقبله بابتسامة تملأ الوجه، ثم تساعده على تغيير ملابسه وتسأله ان كان يريد طعاماً وان كان الرد بالنفي فإنها تخر على الارض لتدليك قدميه وطقطقة اصابعه الى ان يناله سبات عميق ولاتنسى ان تدعو له بنوم هانئ خال من الكوابيس المزعجة. على الجانب الآخر كانت حياة زوج صديقتي المسكينة تمضي على هذا المنوال لأيام واسابيع وهو في حالة انتشاء بما يحظى به من هناء ونعيم وما يحياه من رغد العيش واسعده، خاصة وانه كان يشعر انه موضع الحسد من كل اصدقائه ومعارفه الذين لم تبادر زوجاتهم الى التحول للحياة اليابانية.. وان ظل موضع غيرة الاصدقاء والزملاء بعد ان دخلت زوجاتهم التجربة ونجحن فيها ذلك النجاح الذي ادى الى وجود حالة هدوء غير عادية في معظم البيوت، لكن هذا لم يدم طويلاً، فقد فوجيء الجميع ذات يوم بأن الصمت الرهيب قد أطبق على هذه البيوت فحولتها الاساليب الهادئة الى بيوت بلا روح ولا تفاعل ولا مشاركة، فعاد الاصدقاء القدامى الى مجلسهم يشكون من الاحوال الجديدة رغم عدم سوئها ويطالبون بإعادة الحال على ما كانت عليه، رغم ما فيها من صراخ وشجار وجدل ونكد ـ بعد أن ادركوا ان تلك هي طبيعة البشر كي تستمر الحياة دون الافراط في تلك الامور. وقبل ان يقر الرجال قرارهم باستعادة ما كان من حال، نطقوا في صوت واحد.. «سايونار» أي وداعاً لتجربة من خارج الديار، بينما كانت القلوب تقول مرحباً بما ألفناه في الدار.