كثيراً ما نوقشت العلاقة بين الفن والأخلاق، منذ الفيلسوف اليوناني أفلاطون والكاتب الفرنسي جان جاك روسو وصولاً إلى سائر فلاسفة علم الجمال، فيما لم تغفل الأديان السماوية هذه القضية وأوْلتها اهتماماً، إذ وضعتها تحت المراقبة كي لا تنفلت من عقالها. وإذا كان الكثير من الأعمال قد تم نبذه وطرده من «المدن الفاضلة» لأنه تحول إلى مجرد هباء أو رياح تقتلع المعتقدات والمبادئ، إلا ان روائع الفن لعبت دوراً في خدمة المجتمعات ومعتقداتها وتحوّلت سلاحاً ماضياً صنع النصر لقضايا عادلة ومحقة. ولو حصرنا الموضوع في الأغنية وعناصرها من كلام ولحن وأداء فإننا نفتح نقاش قضية: هل الفن رسالة اجتماعية وأخلاقية أم انه مجرد فن للفن؟! كلنا يدرك بأن الأغنية تطغى على غيرها من سائر الفنون لسهولة تداولها ودخولها إلى معظم الأمكنة والبيوت، لكن الأمر غير الطبيعي ان تكون الأعمال الغنائية مفرغة من شكلها ومضمونها، وهذا الكلام ليس تجنياً على فئة كبيرة من فناني هذا الزمن، بل هو حق بديهي بابداء وجهة النظر لأيّ إنسان يقتحم بيته من دون استئذان هذا الكم الهائل من الأغنيات الموزّعة على محطات التلفزة والإذاعة وصولاً إلى الانترنت. وغالباً ما يستمع المرء مرغماً لنماذج منها في المقهى أو المطعم أو حتى في بيته لسبب جوهري هو أنه لا يريد كبت حرية الآخرين أو فرض مزاجه عليهم! وإذا تركنا تقنيات الموسيقى لنقّادها والعارفين بعوالمها، واداء المغني الذي يصلنا بعد مروره في «المصافي» واجهزة التحسين الحديثة وناقشنا الكلام كونه يدخل الآذان وتردده الحناجر بإدراك تام لمعانيه، لوجدنا فيها دروساً «أخلاقية» و«اجتماعية» تنتقل الى أولادنا وبناتنا، كأن يقول احدهم لفتاة: «زتّي (ارمي) عنك هالمريول يلّلا لنروح سويّة» ليصل به الأمر لمخاطبة أهلها «إما قاتل أو مقتول» في حال لم يوافقوا على خروجها معه. لنخلص إلى نموذج قد يلخّص الانحدار بأسطع تجليّاته. ثم هناك ما يسمّى «فيديو كليب» حيث اصبح الفنان غير مكتفٍ بالتحف الشعرية، بل أرفقها بتقنية متطوّرة وخيال المخرجين، فازدهرت القصص السينمائية والأضواء ومشاهد الرقص المجانية الفارغة من المضمون، فهذا «جيمس بوند» وذاك من تتفتق معه العواطف تحت المطر، وآخر يتحدى «القبيلة» بسيارة الشيروكي ليخطف حبيبته ذات الملامح الغربية! لاحظوا غربية الملامح في قبيلة شرقية! وثمة واحد من هؤلاء الفنانين يظهر لنا في اغنيته المصوّرة انه صاحب رسالة اجتماعية تهدف إلى اصلاح الناس ومساعدتهم فيدعو بائعة الزهور الى قصره، لكن هذا «الحب من أول نظرة» سرعان ما يتحوّل إلى خيانة.. وهي قصة مللناها لكثرة ما تكررت في الأفلام الرومانسية! هذه هي الحالة الفنية إذن، ولو أحصينا الأعمال التي تستفزّ العين والأذن والمخيّلة لاحتجنا الى عشرات الصفحات، فكل يوم مطرب جديد وقصة حب جديدة ولقب جديد. فيما صناعة الفنانين أو «تفقيسهم» إذا جاز التعبير سائرة على قدم وساق في غير بلد من أقطارنا العربية، غير آبهة بانحدار المستوى في ساحة زخرت لسنين عديدة بأصوات ذهبية خالدة. غنّي عن القول، إن الحريص على قيمة الفن والحفاظ على مستواه، يعنيه كثيراً ضخ دماء جديدة تعيد الشباب للأغنية والموسيقى في عالمنا العربي. أما أن يصبح الفن مهنة من ليس له عمل.. ووسيلة للتسلّق إلى الاضواء والشهرة متكئاً على أمجاد اسلافه فتلك حقا مصيبة!