اسقطت الانتفاضة الفلسطينية، التي تعدى عمرها الشهر العاشر، الكثير من الأقنعة والمسلمات التي كانت سائدة قبل انطلاقها، وفضحت العديد من المواقف والبديهيات التي تحصن وراءها البعض، وعرّت بالمعنى الصريح للكلمة الواقع السييء الذي تعيش فيه الأمة العربية الآن. هذه الثورة الشعبية الفريدة من نوعها ضد الوجود الصهيوني، كشفت زيف المقولات التي كان يرددها الكيان الصهيوني، من انه يمثل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، حيث ظهر للعالم أجمع، كيف ان «هذه الديمقراطية» تطارد الصغار بالرصاص، وتقصف منازل الأبرياء بالطائرات، وتدنس المقدسات وتدمر المنازل وتفخخ الأحياء السكنية، وتغتال الرافضين للاحتلال حتى ولو بالكلمة والرأي. كذلك كشفت هذه الانتفاضة انه ليس هناك في ذلك الكيان، من ينتمي إلى اليمين أو اليسار، فالجميع أعضاء في «ثكنة عسكرية واحدة» هي الكيان الصهيوني، ويؤمنون بالمباديء نفسها ويؤيدون ولو باختلاف الطريقة العدوان والارهاب والقتل واستمرار الحصار ضد الشعب الفلسطيني. وفي المقابل اسقطت هذه الانتفاضة، زيف الشعار الذي تشدق به النظام العربي، وهو «السلام خيار استراتيجي»، إذ ثبت انه ليس استراتيجيا بالمرة، ولم ولن يكون له أي مكان في التعامل مع الكيان الصهيوني الذي لا يعرف سوى لغة القوة. ثبت ان هذا الشعار الذي رفعه النظام العربي ما هو إلا «ورقة توت» تستر العجز وعدم القدرة على انتزاع الحقوق من المحتل الغاصب. الانتفاضة الحالية وضعت النظام العربي أمام مرآة، فصلت كل جوانب العجز التي تعتريه، وفضحت جبنه وخوفه من مواجهة العدو، الذي يعلن يوميا تحديه للمشاعر العربية والقومية، ويهين المعتقدات التي نؤمن بها اسلامياً، ولا يجد من يرده أو يردعه، الأمر الذي يجعله يزيد في عدوانيته واستهزائه بكل العالم العربي والاسلامي. إن الانتفاضة الفلسطينية، جاءت في وقت مناسب لتكشف لنا أوهاماً كثيرة صدقناها أو ارغمنا على تصديقها، وما عليها سوى أن تستمر لكي تكشف لنا عما تبقى، ولا تأبه لمحاولات الاجهاض التي تحاول وأدها، من أجل عدم نزع ورقة التوت الأخيرة!!