كما يجري التنافس على مصادر النفط والمياه، تفجرت صراعات إقليمية في أجزاء أخرى من العالم للسيطرة على الموارد المعدنية وأشجار الغابات ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة وغالبا فإن هذه الصراعات تدور بين النخب الحاكمة أو القبائل للسيطرة على الدخل الناجم عن تصدير هذه المواد، ففي أنجولا وسيراليون- على سبيل المثال - تحارب الجماعات المتنافسة من أجل السيطرة على حقول الماس. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية يدور النزاع على مناجم النحاس إلى جانب الماس، وفي أجزاء من جنوب شرق آسيا، فإن جماعات عديدة تتقاتل من أجل السيطرة على بعض الغابات ذات الأشجار التي تتميز بقيمة اقتصادية عالية. وقد اندلعت أنهار الدماء الجارية في بورنيو بأندونيسيا نتيجة الخلافات بين المجموعات المحلية من(الداياك) التي احتلت لفترة طويلة منطقة الغابات في جزيرة بورنيو وبين المقيمين في جزر(جاوا) و(مادورا) الذين جلبتهم الحكومة لحصاد أشجار هذه الغابات وعلى الرغم من أن هذه النزاعات لا تمثل تهديدا مباشرا لأمن القوى الكبرى، فإنها من الممكن أن تؤدي إلى نشر قوات الأمم المتحدة لغرض الاستقرار مثلما حدث في سيراليون وبورنيو، وبذلك تفرض هذه النزاعات طلبا كبيرا على الجهود العالمية لإدارة العنف العرقي والإقليمي. حقول الماس في أنجولا، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وسيراليون، ومناجم الزمرد في كولومبيا، ومناجم النحاس والذهب في الكونغو الديموقراطية، وأندونيسيا، وباجوا في غنينا الجديدة، كذلك غابات كل من البرازيل، كمبوديا، جمهورية الكونغو الديموقراطية، فيجي، ليبيريا، المكسيك، الفلبين، بوروناي، أندونيسيا، وماليزيا. ولا يعني بالطبع مجرد ظهور الموارد الثمينة في مناطق محددة أن العنف سوف يتفجر هناك، فهناك إضافة إلى ذلك العديد من العوامل الأخرى التي تمثل مدى الإستقرار النسبي للبلدان أو المناطق المعنية، وتاريخ وطبيعة العلاقات بين هذه الدول، كما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أيضا مصالح الشركات العالمية متعددة الجنسيات في هذه الدول، ومدى نفوذها على دوائر صنع القرار فيها، بجانب توازنات القوى المحلية. لذلك فإن حماية المناجم التي تحتوي على ثروات ذات قيمة مرتفعة، ومصايد الأسماك، وأشجار الغابات تعتبر من المهام الاستراتيجية الرئيسية لحكومات الدول النامية لما تشكله من مصالح حيوية لهذه الدول والتي لا تتوافر لها سوى هذه المصادر للثروة فنجد حكومات أنجولا وسيراليون - على سبيل المثال - يوجهان جزءا كبيرا من الدخل في جهود مستمرة من أجل تأمين السيطرة على حقول الماس التي تحتلها الآن منظمات المتمردين على الحكومة. وبالمثل نجد حكومة بابوا في غينيا الجديدة تشن عدة حملات عسكرية لاحتلال جزر(بوجا يفجيل) وهي مقاطعة متمردة تحتوي في باطنها على أكبر منجم للنحاس في العالم، وسوف تظل الصراعات من مثل هذه النوعية في النمو طالما أن النخب الحاكمة والمؤسسات العسكرية وفئات أخرى في البلدان النامية ترى أن هناك فائدة من مصادرة واستغلال المكافي الرئيسية للموارد ذات القيمة المرتفعة. جغرافية الصراعات مما لا شك فيه أن قضية الوصول الآمن للموارد الحيوية والسيطرة عليها وتأمين نقلها إلى الدول المستهلكة لها قد اكتسبت في الأونة الأخيرة وضعا مركزيا في التخطيط الاستراتيجي للدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تكرس الحجم الأكبر والأهم من قواتها العسكرية لتأمين هذا الهدف. ولقد أدى التنافس المتزايد حول الوصول إلى المصادر الرئيسية للطاقة النفط والغاز، ونمو الاحتكاكات حول توزيع مصادر المياه المشتركة بين الدول، والحروب الأهلية حول سلع الصادرات مرتفعة القيمة إلى جغرافيا جديدة للنزاع، وحيث يعاد تعريف علم رسم الخرائط بحيث يمثل تدفق الموارد لا الانقسامات السياسية والايديولوجية خطوط التصدع الرئيسية. فمثلما تستخدم خريطة الفوالق والصدوع الأرضية كمؤثر مفيد على المناطق الزلزالية المحتملة في العالم، فإن رؤية النظام الدولى الجديدة في ضوء مكامن المصادر غير المستقرة مثل حقول النفط والغاز المتنازع حولها، والنظم المائية المشتركة، ومناجم الماس والنحاس التي يجري القتال عليها ـ تقدم مؤشرا عن مناطق النزاع المحتملة في العشرين سنة المقبلة. ومازال على المحللين السياسيين والاقتصاديين أن يعدوا نموذجا يمثل بدقة ديناميكيات القوة العالمية في عالم ما بعد الحرب الباردة ولابد من أن يأخذ التفسير الشامل والشق التنبؤي لهذه الديناميكيات بعين الاعتبار كذلك التحولات المتعددة في القوة السياسية وفي مناطق النزاع المحتملة. وإذا كان إنهيار القطبية الثنائية التي كانت سمة فترة الحرب الباردة قد أدى إلى بروز نظام دولي جديد تتربع على قمته الولايات المتحدة والتي تواجه مجموعة من مراكز القوة الأصغر في روسيا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان، فقد واكب ذلك نشوب العديد من الصراعات العرقية والطائفية في مناطق مختلفة من العالم - ربما كان أبرزها صراعات القوميات المشكلة للاتحاد اليوغسلافي وهو ما شكل تهديدا ليس فقط للأمن العالمي في مستوييه الاقليمي والدولي، إلا أن الدوافع الحقيقية وراء هذه الصراعات المحلية تتمثل في محاولات السيطرة على حقول النفط والغاز والماس ومصادر المياه والأراضي الزراعية، فقد عملت العولمة الاقتصادية على تحويل عدد من المناطق الفقيرة إلى مراكز للرخاء والنمو، ولكنها تركت الأخرين عرضة لفقر مذل، وهو الأمر الذي أشعل نزاعات تدور حول الموارد أكثر من إمكانية توصيفها بأنها نزاعات قومية. وقد اصبح تحديد مناطق النزاع حول الموارد الطبيعية مهما أكثر فأكثر مع تزايد الضغوط على الدول التي تمتلكها. وتنشأ هذه الضغوط عن عدد من المصادر، بدءا بآليات العرض والطلب الأساسية. ومع تزايد السكان وتمدد النشاط الاقتصادي في أجزاء عديدة من العالم، فإن إزدياد الحاجة للموارد الحيوية سوف تتجاوز قدرة الطبيعة وإمكانات الشركات العالمية على سدها وسوف تكون النتيجة هي عودة النقص في بعض المواد الطبيعية الأساسية، وسوف يصبح هذا النقص مزمنا وحرجا في بعض الحالات. وبينما سوف تساعد التكنولوجيا التي تقدم بدائل لهذه المواد وكذلك طرق الإنتاج الفنية في التغلب على بعض الندرة في هذه المواد، فإنها أيضا سوف تكون سببا في ظهور بعض المشاكل الخاصة بها - كما إتضح على سبيل المثال من التزايد الكبير في الطلب على الكهرباء في وادي السيليكون والمراكز الأخرى للتكنولوجيا الرقمية في الولايات المتحدة هذا بالإضافة إلى أنه مع التواتر المتزايد للنقص في المواد الحرجة وتزايد حدة هذا النقص، فإن التنافس على الوصول إلى طرق استغلال الموارد المتبقية من هذه السلع، والسلع البديلة لها سيصبح أكثر شدة. التكيف المناسب يمثل النقص في الموارد والنزاعات حولها جزءاً مهما من هموم صانعي السياسة الدولية، لاسيما وأنها ترتبط بمشكلات أخرى مهمة مثل الاضطراب الاقتصادي والنمو السكاني والجريمة، المنظمة وتدهور البيئة، كما يظهر أيضا موضوع نقص الموارد في الصراعات العرقية والطائفية والسياسية، سواء على المستويات المحلية أو الإقليمية أو الدولية، وما قد يترتب على ذلك من تهديدات أمنية للدول المعنية. لذلك يعتبر التحليل الدقيق للمشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والناجمة في معظمها عن نقص الموارد، يتطلب من الحكومات المعنية أن تضع يدها بدقة وأمانة على الأسباب الحقيقية وراء هذه المشاكل، وتضع الحلول المناسبة لتفادي وقوعها مستقبلا أو حلها قبل أن يستفحل أمرها، وأبرز وأبسط هذه الحلول يتمثل في الرصد الدقيق للثروات والموارد الطبيعية المتاحة للدولة، والتي لم تستغل الاستغلال الأمثل لصالح شعوبها، أو أسئ استخدامها بما يحرم غالبية الشعب منها، ثم يأتي بعد ذلك وضع خطة الاستثمار الاقتصادي لهذه الموارد، سواء محليا أو بالتبادل التجاري مع دول أخرى لديها وفرة في موارد تفتقدها الدولة ـ الدول المعنية. وهو ما يتطلب - على سبيل المثل - وضع خطط لترشيد استخدامات الوقود والمياه، وتوجيه دعم كاف للبحوث والتطوير لايجاد بدائل في حالة وجود نقص حاد، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذه المجالات. إلا أن مثل هذه الجهود ينبغي أن تتواكب مع السعي نحو خفض حدة النزاعات مع الدول الأخرى المجاورة في الدائرتين الاقليمية والدولية، وحل المشاكل حول الموارد بالوسائل السلمية، مثل التوصل إلى إتفاقيات بين دول حوض بحر قزوين، وحوض بحر الصين الجنوبي من أجل التوصل لحل سلمي للخلافات القائمة حول ملكية وتنمية المصادر البحرية للموارد الطبيعية، وأهمها النفط والغاز الطبيعي. نفس الأمر بالنسبة لدول حوض نهر النيل حيث يجب التوصل إلى إتفاق بين دول المنبع وأهمها أثيوبيا وبين دول المصب وهي السودان ومصر وكذلك الدول المستفيدة من نهري دجلة والفرات، حيث ينبغي أن تتوصل تركيا إلى إتفاق مع كل من العراق وسوريا حول توزيع حصص المياه بينهم، ويمكن للمؤسسات السياسية الاقليمية والدولية أن تلعب دورا مهما من أجل التوصل إلى مثل هذه الاتفاقات. ومن جهة أخرى فإنه بمقدور التعاون المتعدد الأطراف أن يضع موضع التنفيذ الخطط الكفيلة بمنح شهادات منشأ للماس الافريقي، وبالتالي يمكنه أن يستبعد أية كميات من الماس يتم استخراجها من المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في كل من أنجولا وسيراليون. ـ خبير استراتيجي مصري