«إن بلدا بلا ذاكرة تاريخية، ولا يتعلم من الماضي، لا يمكنه أن يسير نحو المستقبل» بتلك الكلمات القليلة والجملة القصيرة توجه «اليخاندرو توليدو» أول رئيس منتخب في البيرو من اصل «هندي احمر»، أي أول مواطن حقيقي من تلك البلاد يتولى مسئولية الحكم بعد ما يزيد على خمسة قرون من وصول الغزاة الأسبان تحت راية «الفتح» التي أعقبت وصول كولومبس إلى تلك البلاد، وبعد ما يقرب من قرن على استقلال المنطقة من ذلك الاستعمار الذي امتص ثرواتها ليسلمها بعد ذلك رهينة لأنواع متعددة من المشاكل التي أنهت ما تبقى من تلك الثروات وحكمت على شعوبها بالتشرد في مغارب الأرض ومشارقها، في الوقت الذي يجد فيها مهاجرون من أصول غير هندية مرتعا للإثراء على حساب السكان الأصليين. فقد ظلت البيرو وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، بعد استقلالها الدموي عن أسبانيا وغيرها من القوى الاستعمارية الأوروبية، أو ذات اصل أوروبي كالولايات المتحدة الأمريكية، خاضعة لحكام من «ذوي البشرة البيضاء»، أي أبناء وأحفاد المستعمرين القدامى، وربما كان الرئيس السابق «البيرتو فوجيموري» أول رئيس من أصول غير أوروبية، لكنه يظل أجنبيا عن البلاد لأنه من اصل ياباني أي من الأقليات الأجنبية التي ورثت الاستعمار القديم وتحولت إلى أداة للاستعمار الجديد. بل أن فترة حكم فوجيموري التي استمرت عشر سنوات كانت غير شرعية حسب دستور البلاد لأنه مولود خارج البلاد وكان يحمل الجنسية اليابانية ووصل إلى الحكم بتزوير في شهادة الميلاد حتى يتمكن من تخطي عقبة المولد في البلاد ليكون له حق الترشيح لأعلى منصب في الدولة(!). لذلك يحار المحلل السياسي أمام كلمات الرئيس الجديد، وتدور في ذهنه الأسئلة: عن أية ذاكرة يتحدث أول رئيس ينتمي إلى السكان الأصليين في البلاد؟، وما الذي يقصده بتلك الذاكرة التاريخية، هل يقصد الذاكرة السلبية أم الإيجابية؟. إنها أسئلة كثيرة تحتاج إلى الغوص، ليس في تاريخ البيرو كدولة، بل في تاريخ مجموع دول أمريكا اللاتينية كقارة أو مستعمرة قديمة موحدة تحت حكم دموي أسباني حاول القضاء على مجموع السكان الأصليين ليحول القارة إلى مرتع للهاربين من فقر وبؤس أوروبا في القرون الوسطى التي لم تكن تجد قوت يومها عندما اكتشفت ذلك «العالم الجديد» بثرواته الطبيعية البكر والذي كان بمثابة الإنقاذ لشعوبها من أزمة الغذاء، بل وكانت ثرواتها ممولا لها في حروبها الدينية الدموية التي كانت تدمر ما تبقى فيها من أمل في الحياة. الفارس المجهول يشاء سوء حظ أول رئيس ينتمي إلى السكان الأصليين في تاريخ البيرو أن يأتي في لحظة تعتبر من احلك اللحظات التي تمر بها البلاد منذ استقلالها عن الاستعمار الأسباني، لأنها تأتى بعد فترة عاصفة من الحكم للرئيس البيرتو فوجيموري الذي وصل إلى الحكم بلا حزب يؤيده، ولا تاريخ سياسي شخصي سوى انه «الفارس المجهول» الذي جاء لينقذ البلاد من فساد الأحزاب التقليدية التي يتحكم فيها أحفاد الأوروبيين(!) الذين يعلنون الولاء لأي شيء ولا ولاء للوطن الحقيقي الذي يؤويهم بعد أن كان مأوى لأجدادهم من الجوع الذي كانت تعيشه أوروبا. فقد كانت تلك السنوات العشر بمثابة «العاصفة» التي مرت على البلاد في هدوء مريب، وانتهت بتدمير كل ما يقف في طريقها ويمكن أن ينتمي إلى الذاكرة التاريخية البعيدة والقريبة، لذلك يمكننا أن نقرأ كلمات الرئيس الجديد اليخاندرو توليدو على أنها تشير إلى الذاكرة التاريخية القريبة، لأن الذاكرة التاريخية البعيدة تصطدم مباشرة مع من يمكن أن يطلب منهم العون للخروج من تلك الأزمة. ولو اعتمدنا هذا التفسير فان الرئيس الجديد في حاجة إلى اكثر من تلك السنوات العشر التي مرت على بلاده تحت حكم سابقه، لا لإصلاح ما أفسده فوجيموري وأستاذه ومدير مخابراته «فلادمير مونتيسينوس»، بل يحتاج الرئيس الجديد إلى هذه السنوات لاكتشاف التفاصيل الصغيرة التي أدت إلى هذا الدمار الأخلاقي والسياسي والمالي الذي أصاب البلاد في الصميم، وهي الحالة التي يعيشها شعب البيرو حاليا بعد أن اكتشف أن المهندس الزراعي المجهول «ألبيرتو فوجيموري» خدعه طوال تلك السنوات، وقضى على ما تبقى من ثقة في العمل السياسي في البلاد حتى أصبحت السياسة مرادفة للفساد في قاموس الحياة اليومية، واصبح الساسة والقضاة وضباط الجيش وكل من يحتل منصبا رسميا يوضعون في وضع أدنى من تجار المخدرات والسلاح وغيرهم الذين تدينهم القوانين الوضعية والأخلاقية. طريق الخداع فقد اعتمد الرئيس السابق ألبيرتو فوجيموري في وصوله إلى الحكم على التزوير والرشوة والسرقة، كذب أولا على النظام القائم وقتها من خلال تقديم شهادة ميلاد مزورة تؤكد انه من مواليد البيرو، رغم انه من مواليد اليابان التي ظل يحمل جنسيتها خلال فترة حكمه التي امتدت إلى عشر سنوات، أي البيرو كان يحكمها رئيس مزدوج الجنسية. وخدع الشعب بادعائه انه الفارس المخلص والبديل «الشريف» للساسة الفاسدين، ثم بعد ذلك خدع جيران البيرو بادعائه انه مخلص المنطقة من «إرهاب» جماعة الدرب المضيء الماوية بعد أن تمكن، بالخداع أيضا، من الإيقاع بزعيمها «ابيمائل جوثمان» في الكمين الذي أوقعه بين أيدي قوات الجيش مستخدما في ذلك بعض الصحافيين الألمان بادعاء إجراء مقابلة تلفزيونية مع الزعيم الماوي. ثم زاد على هذا باستخدام الخداع في الإيقاع بجماعة «توباك امارو» التي احتلت السفارة اليابانية طوال اشهر محتجزة عددا من السفراء خلال حفل بالعيد الوطني الياباني، وخرج فوجيموري من تلك العملية «بطلا قوميا» رغم انه تبين بعد ذلك أن عملية تحرير الرهائن كانت عملية قذرة، تم فيها إعدام من استسلم من الخاطفين بمخالفة القوانين الوطنية والدولية والعرف الأخلاقي. ثم خدع الجيش بإقناعه بالانقلاب على البرلمان ومؤسسات الدولة حتى يتمكن من تعديل الدستور ليبقى في الحكم لفترة ثانية بمخالفة دستورية واضحة، وحتى بعد أن تم له ما أراد خدع الناخبين مجددا بالادعاء بان الدستور يسمح له بالبقاء في الحكم لفترة ثالثة، وادعى، بمساعدة قضاة المحكمة الدستورية الوطنية الذين قام باختيارهم بنفسه، أن فترة حكمه الأولى كانت تطبيقا للدستور القديم، أما فترته الثالثة تعتبر دستورية لأنها تطبيقا للمادة الدستورية التي تسمح له بالترشيح لرئاسة الدولة لمرتين. لكن الكذب والخداع كما يقولون بلا سيقان أو أقدام يقف عليها، وان كان يمكن خداع الناس مرة أو مرتين، أما في المرة الثالثة يمكن اكتشاف الخداع، ولحظتها لا بد من انكشاف الأمر، وجاء هروب مدير مخابراته، أو «راسبوتين الرئاسة» بتسجيلاته الصوتية والمرئية لتكشف إلى أي مدى وصل الفساد في فترة حكم فوجيموري، ولم يجد الرئيس وقتها سبيلا آخر سوى الهرب إلى بلاده ومسقط رأسه اليابان بعد أن أفتضح أمره. هذه الذاكرة التاريخية التي وجدها الرئيس المنتخب الجديد «اليخاندرو توليدو» في البيرو عند جلوسه على كرسي الرئاسة السبت الماضي، وذلك هو الوضع في البيرو بعد مرور عاصفة فوجيموري «اليابانية» أو «الصيني» كما كان يسميه شعب البيرو لأنه يعتقد أن كل من ينتمي إلى الجنس الأصفر «صيني» بالطبيعة: فساد مؤسساتي لا تخلو منه مؤسسة من مؤسسات الدولة بما فيها الجيش حامي الوطن والبوليس حامي الشارع، وفساد سياسي واجتماعي واقتصادي وفقر مدقع وبطالة وجريمة فردية وجماعية. عقل معطوب ترى ماذا يمكن لرئيس يأتي بعد كل هذا الفساد الذي أصاب «عقل» المجتمع ورجاله البارزين في الصميم حتى اصبح المواطن العادي يشك في كل من له صلة بالنظام؟. على الرئيس أليخاندرو توليدو أن يلعب دورا خطرا، ربما يهدد حياته والوضع القائم في بلاده، لأن أي مساعدة خارجية في شكل استثمارات أجنبية لن تكون إلا بعد إثبات استقرار الأوضاع داخليا، واستقرار الأوضاع في البيرو لن يكون في ظل القيادات الحالية في الجيش والبوليس، وتغيير تلك القيادات ليس أمرا سهلا، لأن تلك القيادات بعضها له ارتباطات داخلية، وتكتلات في الجيش نفسه، وتغييرها يتطلب حكمة وحنكة لاختيار البدائل دون أن يبدو ذلك تهديدا لهيمنة يتمتع بها الجيش في الحياة المدنية، وأيضا يتطلب حوارا مع الأطراف الخارجية التي ترتبط بها بعض قيادات الجيش وإقناعها بان تلك التغييرات لن تكون معادية لها. وربما كان دور الولايات المتحدة مؤثرا في هذا المجال، لأنها دعمت وجود فوجيموري ومدير مخابراته مونتيسينوس لأنهما كانا يمثلان قطعا أساسية في سياستها الأمنية في المنطقة، وهناك من يؤكد أن اختفاء مدير مخابرات البيرو خلال الأشهر السابقة تم بعلم من المخابرات الأمريكية، وتسليمه تم بعلمها أيضا، بعد أن حصلت على ضمانات بعدم الحديث عن دورها خلال تلك المرحلة. وان كان بعض المحللين يرون أن اليخاندرو توليدو يعول على المساعدة الأوروبية اكثر من المساعدة الأمريكية، ويمكن فهم هذا من إعلانه في خطاب توليه السلطة عن عقد مؤتمر المساعدة في مدريد خلال شهر سبتمبر القادم بحضور ألمانيا وفرنسا وعدد آخر من دول الاتحاد الأوروبي. الرئيس اليخاندرو توليدو تولى الحكم كاول رئيس منتخب ينتمي إلى السكان الأصليين في البلاد في لحظة حرجة، وفشله قد يحكم على السكان الأصليين بقرون جديدة من الابتعاد عن السلطة، لأن مثل هذا الفشل سوف يرسخ للقاعدة التي تقول أن مثل هؤلاء القوم البدائيين غير معنيين بمثل هذه الأمور. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com