حسبما ذكرت مجلة «ايكونومست» يوجد حالياً في العالم اكثر من اربعمئة ملياردير ونحو من سبعة ملايين مليونير، لست أنا وا أسفاه واحدا من هؤلاء. ولكن سأكون في مصاف أي من الفئتين إذا كان من يقرأ هذه الكلمات ينتمي لإحداهما. المجلة الموقرة اضافت ان هذا الرقم في مجمله يفوق عدد الاثرياء في أي من الحقب التاريخية الفائتة. ودللت على ذلك بجدوى عصر العولمة. غير أن الغليان الشعبي المشوب بالعنف الذي اكتنف مدينة جنوة الايطالية إبان قمة الثماني الكبار يذهب في اتجاه مناقض لدعوى ازدهار العولمة. فما سكتت عنه المجلة ويمكن أن يقوله القاريء معي يتمثل في الجانب الاخر من المعادلة وهو عدد الفقراء والمحرومين في العالم. المسألة ببساطة أن لكل حقبة تاريخية عنوانها ولكل زمان رجال وخصومهم والعولمة ليست في ذلك استثناء. فقد ولى حين من الدهر بعنوان الاستعمار ثم جاء فيما بعد الاستعمار الجديد وكلاهما فصلان في عصر هيمنة الرأسمالية بأدوات مختلفة. وعرفنا جنود الاستعمار القديم واذنابه وعناصر الاستعمار الجديد وعملاءه. وافرزت مرحلة الاستعمار بوجهيها القديم والحديث حقبة عنوانها التحرير الوطني ولها كذلك مناضلوها وخونتها وطابورها الخامس. في مقابل الرأسمالية برزت الاشتراكية بقسمات متعددة هي الأخرى وطنية، قومية واممية، بجبهاتها وجبهاتها المضادة. ومن ثم يمكن فهم وجود أنصار للعولمة وكذلك نهوض جبهة معادية للعولمة. ولكن الحالتين جديرتان بالتأمل. من المؤكد أن هناك مصالح مشتركة بين قادة العولمة غير أن الثابت كذلك أن هذه المصالح لم تتبلور كما في السابق في شكل عقيدة مبلورة فكرياً بعد. وهناك العديد من الخلافات بين زعماء العولمة وقد تكون قضية المناخ مفارقة بالغة الاثارة لنوعية وهوة الشقاق بين زعماء العولمة. فما من أحد يمكنه استيعاب أن الدولة الأكبر والاقوى ترفض الالتزام بعالم نظيف. أمريكا تصر على اطلاق غازات مصانعها وتلويث الهواء غير مكترثة إلا بعائداتها المادية. السخط الشعبي الذي احاط باجتماعات الصندوق والبنك الدوليين في سياتل والغضب التلقائي الذي احاط بقمة الثماني في جنوة جاء رد فعل لم يتبلور هو الآخر في شكل منافستو عقائدي ولم يتحرك بتوجيه سلطة قيادية أو تنظيم جماهيري ومع ذلك بلغ اوجاً من الجدية قدم معها «شهيداً». هذا يعني بوضوح أن هناك تناقضا حاداً بين قادة العولمة والجبهة المعادية للعولمة التي لم تنتظم بعد. لقد كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك جديراً بالاحترام عندما قال في جنوة انه لابد من الاصغاء لحشود المتظاهرين في المدينة ومعرفة ما يريدون. فالحشود متعددة الجنسيات التي تدافعت إلى المدينة الايطالية من كل فج أوروبي ليست وليدة احساس بالفوضى الجماعية ولكنها تعبير عن موقف يتشكل على قاعدة جماهيرية عريضة. وجود 8 ملايين ملياردير ومليونير يعني تكدس الثروة في أيدي قلة متخمة مقابل مليارات المعدومين والفقراء. هذا خلل واضح في عصر العولمة لكنه ليس المفصل الوحيد في الازمة. قرار الثماني الكبار عقد قمتهم المقبلة في منطقة جبلية كندية نائية يؤشر لمحاولة الهروب من الواقع بعد اعتراف بأن اجهزة الامن عاجزة عن قمع الحركة الشعبية التي تشكل جبهة معادية للعولمة. ربما يكون الرئيس الامريكي جورج بوش اكثر حكمة من شيراك واكثر جرأة فيما لو اعترف انه اكثر من غيره استهدافا بالسخط الشعبي، فالعولمة التي نتحدث عنها هي في الواقع محاولة لإضفاء قدر من التعميم على عصر الامركة الذي دخله العالم احادي القطب بعد انهيار الامبراطورية الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي. أو ربما هي مرادف خجول للأمركة. الغضب الشعبي المتصاعد يعكس الرفض الجماهيري لتوجه النخب الحاكمة التي تذعن للهيمنة الاوروبية تفعل في العالم ما تشاء على المستوى السياسي، الاقتصادي، العسكري والبيئي. لاجدال ان أمريكا حققت انجازا استثنائيا إذ انها المرة الأولى في التاريخ التي تتفوق فيها امبراطورية على منافساتها وتستأثر بمصير العالم قاطبة. لكن التاريخ يقول إن كل امبراطورية تزدهر وتحمل معها بذور فنائها. قد ينجح بوش أو من يأتي بعده في تمديد الازدهار اذا افلح في اكتشاف جينات الضعف في الامبراطورية الامريكية وعمد إلى علاجها. الفتى الايطالي جولياني الذي اصبح الشهيد الاول في صفوف الجبهة المضادة للعولمة ينذر باستعداد اخرين لتقدم الصفوف حتى في غياب القيادة والتنظيم، ففي زمن العولمة انتهت التركيبة التقليدية بوجود حزب ومناضلين ومنظرين. الشارع السياسي يصنع قياداته ويقدم شهداءه على نحو تلقائي ويومي. فإذا لم تكن ايها القاريء المحترم في عداد المليونيرات والمليارديرات في عصر العولمة فلا تنتظر موقفا متميزا في قيادات الجبهة المعادية للعولمة يمكن ان تستفيد منه كما استفادت قيادات الجبهات في المراحل التاريخية السابقة.