لقد استطاعت بعض القوانين أن تحد من مخاطر استعمال الموبايل للسائق مثلاً، ومنعت استعماله في مناطق أخرى كالمستشفيات والمطارات، كما هو ممنوع في أماكن العبادة وصالات الدرس. لكن ما من قانون يمنع استعمال الموبايل أثناء أداء الوظيفة، أو على الأقل لنكن منصفين ونقول ان معظم الادارات لا تمنع استعمال الموبايل خلال تأدية العمل الوظيفي. وبناء على هذا التمهيد العقلاني، لهذه الزاوية فقد صار لزاماً عليّ ان أوضح ما هو الخطأ ان يكون الموبايل مع صاحبه أثناء العمل. من رصيد الأحداث الشخصية يمكن سرد ما يأتي: فقد رن جرس الموبايل فسارع الفراش الذي ينظف المكتب إلى دس يده في جيب بنطاله وترك خرقته المبلولة إلى جانب أوراقك وراح يكركر بلغته الأم شارحاً للآخر الذي يحادثه عبر الهاتف مسألة غاية في الأهمية لأنه غادر المكتب وراح يذرع الممر جيئة وذهاباً وهو يكركر بصوت عال، مما يعني ان المكالمة مهمة والموضوع حساس ولا يحتمل الانتظار. كما يمكن رصد نادلة المقهى التي تسألك ماذا تشرب؟ ولكن قبل ان تبلغها طلبك يرن هاتفها النقال فتسارع إلى حقيبتها المرمية خلف الكاونتر وتستل هاتفها النقال وتبدأ الضحك لأن محادثها على الطرف الآخر يقول كلاماً عذباً معسولاً، لا يمكن ان يبقيها رصينة، فتضحك وهي تمشي بهدوء إلى المطبخ في الخلف، ولا تتوانى عن العبث بشعرها كلما قال محادثها جملة طويلة، وفي بعض الأحيان يمكن ان تلمح احمراراً يكسو وجهها مما يعني ان محادثها بدأ يتوغل بعيدا في تعبيراته، وخلال ذلك كله أمامك عدة خيارات، إما ان تغير المقهى أو ان تستمتع بهذا الهاتف الطويل أو ان تتصل بصديق.. أو تستطلع رأي القراء! إلا ان ضحايا الموبايل على كرسي الحلاقة يستحقون الشفقة والرثاء، فبعدما يغسل الحلاق شعرك بماء بارد ويسألك كيف تريد الحلاقة.. ثم يضع مريولاً مصنوعاً من النايلون حول جسدك ويلف رقبتك بمنديل ورقي ويطري شعرك ثانية بالماء فتصبح عجينة بين يديه ليحولك إلى عريس حقيقي، وهنا يرن موبايله فيتركك مسمراً مربوطاً إلى كرسيه الأثير، ويبدأ حديثه عبر الموبايل حيث كان قد نشر إعلانا لبيع سيارته في الصحف، وها هو يتلقى هواتف استفسارية من الذين قرأوا الإعلان. «لونها ناري دم عفريت، ماشية ستين كيلو بس، جيرها عادي، ألذ في السواقة، وفرشها جلد أبيض مثل التلج». وسوف يستمر الحلاق في استلام المكالمات الاستفسارية حول سيارته المعروضة للبيع، ناهيك عن مهنته التي تبيح له الثرثرة، وباعتباره حلاقاً فهو يعرف انه توجد شقة للايجار في العمارة المقابلة لدكانه، وان السيارات في رخص التراب هذه الأيام، وان أسعار السمك مرتفعة بسبب الحر، وانه معجب بجورج قرداحي كثيراً، ليس لأن برنامجه فيه معلومات مشوقة، ولكن قرداحي كان يقص شعره هنا على هذا الكرسي، ولذلك ستجد تفسيراً لتلك الصورة الكبيرة للمذيع اللامع على المرآة المقابلة، وبعد مرور ساعتين من الثرثرة عبر الهاتف أو على الهواء مباشرة ستنظر إلى المرآة لتجد نفسك عريساً بتسريحة رائعة، ولن يخلو الأمر من بعض الصداع تمهيداً لزكام حاد سيدوم أسبوعاً لأن حلاقاً ثرثاراً بلل شعرك وتركك تحت المكيف وراح يثرثر عبر الموبايل عن مزايا سيارته المعروضة للبيع ويستلذ بقص شعرك وكأنه يقود سيارة حمراء دم عفريت جيرها عادي! وبناء على هذا الرصد غير العقلاني لما يفعله الموبايل فقد بات الأمر بحاجة إلى قانون اخلاقي ينظم أوقات المحادثة عبر الموبايل، قانون منبعه الذوق واحترام الآخرين وعدم تعطيل مصالحهم بثرثرات شخصية على حساب العمل قانون عنوانه العريض يقول: حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين. email:H-S-D@maktoob.com