للصيف كتابات أخرى، برع فيها مؤخرا الزميل (سمير عطا الله) في زاويته اليومية بجريدة (الشرق الاوسط) ومعه نؤمن بأن للصيف في بلادنا مزاجه الخاص الذي يفرضه على الناس، ومن هؤلاء الكاتب الذي عليه ان يدخل الى مناخات الكتابة صيفا بشكل لا يقود الى الملل أو النفور فذلك ينعكس على قرائه وجماهيريته، مع اننا ككتاب في مناخ ملتهب، وفي جغرافيا سياسية ساخنة، نضطر كثيراً للدخول في هذه المناخات الساخنة نظرا لطبيعة علاقتنا بها وموقفنا منها. وبما اننا في فصل الصيف ومواسم السفر فقد يكون الحديث عن ذلك ملائما في نهار صيفي يقع في نهاية اسبوع العمل، وعند استحضار فكرة السفر يتبادر الى الذهن مباشرة سؤال حول وجهات السفر وكيف تتحدد؟ ذلك أن هناك اكثر من عامل يتحكم في اسفارنا، واختيارنا للاماكن والبلاد التي نذهب اليها. وفي ظني فإن الصور الذهنية التي نكونها عن بعض الشعوب والبلدان عن طريق الاصدقاء أو وسائل الاعلام المختلفة تعتبر عاملا رئيسيا في تحديد وجهات اسفارنا وسياحتنا. ومعروف انه كلما كانت معرفتنا ببلد ما تصب في اتجاه الايجابيات فيما يتعلق بأماكن الراحة ومناطق الطبيعة والجمال والنظافة، والتسهيلات الحياتية المختلفة (التنقل ـ اماكن الترفيه ـ المطاعم ـ اللغة ـ... الخ) وكذلك مستويات التعامل الحضاري والانساني والالتزام بالقوانين والحريات والحقوق.. الخ كلما كان ميزان اختيار هذا البلد راجحا بالتأكيد، والعكس صحيح، يعتمد ذلك بطبيعة الحال على المستوى التعليمي والمادي والثقافي لطالب السفر، لذلك يفضل اغلبنا السفر الى بلدان اوروبا والولايات المتحدة وبعض الجزر البعيدة والمناطق السياحية الحديثة في بعض البلاد العربية. ايضا يتحكم العمل احيانا في اسفارنا، فنسافر في مهام رسمية تلبية لدعوات أو لحضور مؤتمرات او مهرجانات مثلا، او لاتمام اعمال وصفقات ومشاريع، ولولا العمل وهذه الدعوات ما كنا سافرنا الى دول معينة، لا لموقف معين منها، ولكن يحدث احيانا ان تكون بعض البلاد بعيدة جداً عن اذهاننا فلا نفكر فيها كوجهة سفر! اضافة لهذين العاملين يلعب الاصدقاء والاهل والدعايات المختلفة واعلانات الاسعار المغرية دوراً كبيراً في اختيارات البعض لوجهات اسفارهم وخاصة الصيفية. وفي السفر نعشق بلداً معينا ـ احيانا ـ لحميمية تنشأ بيننا وبينه، فنحبه منذ الوهلة الاولى، ونألف كل تفاصيل امكنته واناسه، ونشعر بأننا ولدنا فيه أو عشنا فيه منذ زمن طويل، ولقد سمعت وقرأت حكايات كثيرة وقصصا حول علاقات عشق جميلة تأسست بين اشخاص، وامكنة احبوها منذ الوهلة الاولى وقد اخذهم هذا الحب الى ابعد مما كانوا يتصورون، ففي كتابه (عروة الزمان الباهي) يتحدث الروائي (عبدالرحمن منيف) عن شخص اسمه الباهي ذهب الى باريس زائراً، ثم مكث فيها متنقلاً وباحثا واديبا، وارتبط بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة وخاصة المقاهي، وكان كلما اراد العودة الى بلده (موريتانيا) اجل لبضعة ايام اخرى حتى انتبه اخيراً أن البضعة ايام قد اصبحت عشرين عاما!! وبالتأكيد فـ (الباهي) لم يغادر وطنه الى باريس سائحاً أو طالب علم لقد تركه في فترة كانت تموج بالاحداث والتقلبات والانقلابات والثورات في العالم العربي، لقد تركه كما ترك كثيرون اوطانهم بحثا عن مناخات اخرى وفرص اخرى وحريات لم يكن مسموحاً بالحديث عنها فما بالك بممارستها، واليوم وبعد سنوات طويلة على هجرة الباهي الى باريس مازال امثال الباهي في عالمنا العربي يغادرون اوطانهم للاسباب نفسها. على موقع الـ «بي.بي.سي» فتحت قضية للحوار حول (العالم الثالث ودوافع الهجرة) كان دافعها ما يردده الاعلام الغربي حول مقولة مثيرة للجدل تركز على ان موجات اللاجئين من العالم الثالث باتجاه الدول الغنية ليست في حقيقتها هربا من الملاحقات، بل هي نتيجة لتحسين الوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً بسبب ظلم بعض الحكام وويلات الفقر والتخلف منذ عصور، ولقد طرحت الـ «بي.بي.سي» سؤالا لمتصفحي الموقع حول سبب تزايد الهجرة من العالم الثالث الى العالم الغني المتقدم في العقدين الاخيرين تحديداً، مع ان الفقر والظلم والتخلف اسباب موجودة منذ قرون طويلة! كثيرون ـ وتحديداً المهاجرين ـ أدلوا برأيهم في هذه القضية، وكثيرون ذكروا حكايات تستحق التوقف، والتأمل لأن فيها محاكمة لانظمة وسياسات حكم فهي ظاهرة عميقة جداً وخطيرة وذات دلالات.. سنحتاج لاكمالها غداً. Aisha@albayan.co.ae