الخبرة التاريخية للصراع العربي الاسرائيلي ربما علمتنا أن مشكلتنا أننا لا نفكر ولا نتعامل بمنطق (جمعي) عندما نواجه اسرائيل إلا عند اشتداد الأزمات وعدا ذلك فالأمر سيان يخضع لسياسة وإرادة كل دولة عربية على حدة !! وبنظرة سريعة للتاريخ نجد أن كلمة العرب توحدت عندما حتمت طبيعة المواجهة ذلك مثلما حدث خلال العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وفي حرب يونيو عام 1967 - رغم الهزيمة - وأخيرا في حرب أكتوبر عام 1973!! وبعد مرور أكثر من نصف قرن من عمر هذا الصراع يظل التوحد العربي ضرورة حياة لهذه الأمة.. كما أننا أحوج ما نكون إليه هذه الأيام على الأقل فيما يتعلق بتوحيد (الخطاب الاعلامي العربي) في مواجهة المخططات الشرسة للاعلام الصهيوني التي تهدف بالدرجة الأولى الى تشويه الصورة القومية للعرب بنظر الآخرين والى كسب الرأي العام الدولي - بالخداع - الى صف الظالم والمعتدي.. وإهدار حقوق المظلوم والمعتدى عليه!! وأي متابع لتوجهات الاعلام الاسرائيلي بوسائله المتخلفة يستطيع - بسهولة - أن يجد محاولات تستهدف تصوير العرب عامة والفلسطينيين خاصة على أنهم إرهابيون معادون للسامية غير متحضرين، وتبرز اليهودي بأنه محاصر في (جزيرة) وسط (محيط) عربي. وبوقاحة منقطعة النظير تمادى الغي الاعلامي الصهيوني ليزعم أن الدفاع (بالحجارة) ليس سوى عنف وفي الوقت نفسه تجاهل توصيف القصف بالصاروخ والدبابة والطائرة!! ومن الطبيعي أن استخدام الاسلوب المقْنع (بتسكين القاف) والمقَنع (بفتح القاف) حتى ولو كان قائما على المغالطات ومع التكرار المستمر سوف يترك - حتما - آثاره على المتلقي خاصة اذا لم يجد البديل الذي يقنعه بالعكس!! وعليه تصبح الساحة خالية للاعلام الصهيوني يلعب فيها كيفما يشاء!! ورغم ذلك كانت المفاجأة عندما قام تلفزيون غربي (غير عربي) وهو محطة الـBBC بانتاج برنامج وثائقي بعنوان (المتهم) يصور جرائم رئيس الوزراء الاسرائيلي إرييل شارون ويبرز دوره في (مذابح صبرا وشاتيلا) بجنوب لبنان في عام 1982. الأمر الذي أثار حفيظة الاسرائيليين وسرعان ما اتهموا العرب بأنهم وراء انتاج هذا البرنامج الذي يعتبر محاولة موضوعية من طرف غير عربي لتجسيد الظلم الذي تعرض له الفلسطينيون قبل نحو عشرين عاما!! فما بالكم لو فُتحت ملفات الجرائم والمذابح الأخرى؟! على أي حال الذي يعنينا في هذا الخصوص هو أن هذا البرنامج كشف مدى (قزمية) الاعلام العربي رغم أنه يمتلك - فيما أعلم - امكانات تقنية ومادية وبشرية هائلة تمكنه من انتاج مئات البرامج المماثلة التي تعري اسرائيل أمام العالم. والسؤال البديهي.. كيف ينهض الاعلام العربي ليكون في مستوى المواجهة مع الاعلام الصهيوني.. بعبارة أخرى ما هي الآليات التي تمكن الاعلام العربي من كشف زيف ادعاءات الدعاية اليهودية المغرضة!!؟؟ لقد اصبح لزاما على المسئولين عن صياغة الخطاب الدعائي العربي أن يعيدوا التفكير في طرق طرح قضايانا بشكل عملي وعلمي يضمن تحقيق التأثير المرجو سواء بالنسبة للرأي العام الاسرائيلي - وهذا مهم جدا - أو الرأي العام العالمي بشكل كمي وكيفي ومتصاعد يدحض حملات الدعاية الصهيونية المعادية للعرب!! ويمكن القول إن انشاء قناة فضائية عربية موحدة تساهم في تمويلها وتفعيلها كل الدول العربية والقنوات الفضائية العربية الخاصة خطوة لابد منها في عملية المواجهة مع الاعلام الصهيوني.. ولا توجه الى الناطقين (بالضاد) أي لا تكون ناطقة باللغة العربية. وتتحدد مهمة هذه القناة في بيان الحقيقة وكشف زيف الاعلام الصهيوني وفضح جرائم الساسة والعسكريين الاسرائيليين وفي مقدمتهم ارييل شارون وإيهود باراك وشيمون بيريز ونتانياهو وغيرهم!! ومن ثم تستهدف القناة القومية الفضائية أحداث نوع من التعبئة العالمية ضد اسرائيل ومخاطبة الضمير العالمي بشكل مقنع من خلال التوضيح بالصورة والكلمة في (فورمات) برامجية تساهم في تكوين اتجاهات رأي عام مؤيده للقضايا والمواقف العربية وتكشف خطأ الانحياز لاسرائيل فتسعى الى تحييد هؤلاء المنحازين على الأقل!! إن الانتشار الاعلامي المؤثر لوسائلنا الدعائية في عصر المعلوماتية والسماوات المفتوحة سيظل رهنا بمقدرتنا نحن العرب على الالتقاء حول كلمة سواء وأن نعرف امكاناتنا وكيف نوجهها الى صالح قضايا الأمة وحتى ننقذ جماهير المتلقين من خداع الاعلام الصهيوني!! ـ كاتب مصري