في يناير 1999، وفي تغيير نادر الحدوث في الاستراتيجية الكونية الأمريكية، اتخذت وزارة الدفاع الأمريكية قرارا بنقل مهام القيادة العليا للقوات الأمريكية في آسيا الوسطى من قائد قوات الباسفيك إلى القيادة المركزية ويمثل هذا القرار تحولا كبيرا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، ذلك أن هذه النقطة الممتدة إلى جبال الأورال حتى الحدود الغربية للصين، والتي كان ينظر لها في الماضي نظرة هامشية أصبحت اليوم ذات أهمية استراتيجية بالغة بسبب ما تحويه من احتياجات ضخمة لموارد طبيعية مهمة أبرزها النفط والغاز لاسيما في الأراضي الواقعة على بحر قزوين. ولأن القيادة المركزية الأمريكية هي المسئولة عن المصالح الأمريكية في منطقة الخليج، فإن تكليف هذه القيادة بمنطقة آسيا الوسطى أيضا، يعني أن الولايات المتحدة تعطي اهتماما خاصا للموارد الطبيعية المتواجدة في هذه المنطقة وطرق نقلها إلى الولايات المتحدة وحلفائها في العالم. مناطق جديدة للصراع يعد بزوغ آسيا الوسطى وغناها المحتمل بالنفط واحدا من المؤشرات على تحول كبير في التفكير الاستراتيجي الأمريكي فخلال الحرب الباردة، كانت مناطق الاهتمام الأكبر للمخططين العسكريين هي مناطق المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكتلة السوفييتية - أي وسط وجنوب وسط أوروبا والشرق الأقصى - ولكن منذ نهاية الحرب العالمية الباردة فقدت هذه المناطق الكثير من الاهتمام الاستراتيجي بها من قبل الولايات المتحدة(ربما باستثناء المنطقة منزوعة السلاح بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية)، بينما نجد مناطق أخرى مثل الخليج، وحوض بحر قزوين، وبحر الصين الجنوبي قد لقيت اهتماما متزايدا من قبل البنتاجون. ويرجع هذا التحول الجغرافي الاستراتيجي إلى التركيز من جديد على حماية مصادر الموارد الحيوية وتأمين الامداد بها عبر شرايين مواصلات مؤمنة، خاصة النفط والغاز الطبيعي، وبينما كان الصراع الأيديولوجي هو سمة فترة الحرب الباردة، صار الصراع والتنافس اليوم مركزا على المصالح الاقتصادية، والتي أصبحت تقود العلاقات الدولية الآن، وهو تنافس يبدأ من الوصول إلى أماكن الموارد الطبيعية واحتكار استغلالها، ثم يمتد إلى تأمين استمرار نقلها إلى الدول المستهلكة لها باعتبار ذلك تأمينا للمصالح الوطنية للدول المستوردة لهذه الاستراتيجية وتزداد حدة التنافس والصراع المصاحب له مستقبلا إذا أدركنا أن الزيادة المتوقعة في الاستهلاك العالمي لهذه المواد تصل نسبته إلى 2% وترتيبا على ما سبق فإن المسئولين الأمنيين في الولايات المتحدة بدأوا يعطون اهتماما أكبر للمشكلات التي ستنجم عن المنافسة المكثفة في السنوات القليلة المقبلة حول هذه المواد الاستراتيجية لاسيما وأن معظمها في مناطق نزاع تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار السياسي، وهو انعكس في التقرير السنوي للبيت الأبيض لعام 1989 حول السياسة الأمنية الأمريكية، والذي برزت فيه هذه الفقرة(سوف تستمر الولايات المتحدة في إيلاء أهمية محورية لتأمين الوصول للإمدادات من النفط الأجنبي، حيث تزداد حاجتها إليه بنسبة 55 بالمائة، ثم يخلص التقرير إلى أنه) يجب علينا أن نعي أهمية الحاجة إلى الاستقرار الاقليمي والأمني في مناطق الإنتاج الرئيسية لتأمين مداخلها إليها، والحفاظ على التدفق الحر لهذه الموارد. والدلائل على الاهتمام الأمريكي المتزايد بالمناطق ذات الموارد الطبيعية الاستراتيجية، تأكدت خلال العام الماضي الذي حدث فيه نقص في الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي. برز ذلك في زيارة الرئيس الأمريكي السابق كلينتون لأفريقيا في أغسطس 2000 بأمل الحصول على إمدادات إضافية من النفط النيجيري، حيث تعد نيجيريا الآن واحدة من المصادر الرئيسية لامداد الولايات المتحدة بالنفط، كما حث كلينتون دول بحر قزوين على الإسراع بإنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط والغاز إلى أوروبا ومنطقة البحر المتوسط، كذلك دعا الرئيس الأمريكي الحالي بوش إلى تكثيف البحث عن النفط والغاز في مناطق المحميات الطبيعية، وذلك لتخفيض اعتمادات أمريكا على المصادر الأجنبية، كما ناقش مع الرئيس المكسيكي(فينسنت فوكس) اقتراحات لزيادة تدفق النفط من المكسيك للولايات المتحدة. وليس التفكير الاستراتيجي للإستحواذ على مصادر الطاقة قاصرا على الولايات المتحدة فقط، بل يوجد تركيز مماثل في تفكير الدول الكبرى الأخرى المستورد للطاقة، مثل الصين واليابان ودول الاتحاد الأوروبي الرئيسية، الذين جعلوا قضية استقرار إمدادات الطاقة واحدة من القضايا ذات الأولوية الأولى. كما نجد روسيا قد وضعت تركيزاً أكبر في سياستها الخارجية على المناطق المنتجة للطاقة في آسيا الوسطى باعتبارها كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، وبحكم قربها من الاتحاد الروسي الحالي لذلك نجد أنه رغم إهتمام موسكو بما يجرى قرب حدودها الغربية من تطورات تتمثل في توسع حلف الناتو بضم دول أوروبا الشرقية إليه، وما يمثله ذلك من تهديدات أمنية لها نتيجة قرب قوات الناتو من الحدود الروسية، فإن ذلك لم يشغل موسكو عن تدعيم تواجدها العسكري في الجنوب بمنطقة القوقاز بما في ذلك الشيشان وداغستان، وفي جمهوريات أسيا الوسطى، وبالمثل نجد الصين تنقل تركيزها العسكري من حدودها الشمالية مع روسيا إلى منطقة(زينج بانج) في الغرب - وهي مصدر محتمل للنفط، وإلى المناطق الساحلية لبحري الصين الجنوبي والشرقي. وقد اقتفت اليابان خطى الصين في هذه البحار ورفعت من قدراتها العسكرية هناك، حيث نشرت سفنا حربية وعددا من الطائرات المقاتلةك3-ذ أوريون المسلحة بالصواريخ، وكما أعلنت الصين أن بحر الصين الجنوبي يعد جزءا من مياهها الاقليمية، وأكدت على حقها في نشر القوات اللازمة لحمايته، فإن اليابان أيضا حذت حذوها وحذرت من أي تهديد لطرقها التجارية الحيوية(حيث تمر حاملات النفط المحملة بنحو 80% من إمدادات النفط الياباني عبر بحر الصين الجنوبي)، وأنذرت بأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لتوفير الحماية لهذه الطرق. وقد أدت وقفة الصين الحازمة إلى حفز مواقف الدول الأخرى المجاورة مثل أندونيسيا وماليزيا وتايلاند والفلبين وفيتنام لتقوية وزيادة قدراتها الجوية والبحرية كما أصبح تأمين الحصول على إمدادات كافية من النفط والغاز الطبيعي أمرا بالغ الأهمية كذلك من قبل الدول الصناعية الحديثة في العالم النامي مثل تركيا والبرازيل وإسرائيل بجانب دول جنوب آسيا السابق الإشارة إليها، حيث من المتوقع أن عددا كبيرا من هذه البلدان سيزيدا إستهلاكها للطاقة بمقدار الضعف أو ثلاثة أمثال الاستهلاك الحالي خلال العشرين عاما المقبلة. وطبقا لتقرير وزارة الطاقة الأمريكية، فإن الاستهلاك العالمي من النفط من المنتظر أن يرتفع من نحو 77 مليون برميل في عام 2000 إلى 110 مليون برميل في عام 2010، أي بزيادة نسبية تبلغ 43% ومعنى هذا أن العالم سوف يستهلك تقريبا نحو 670 مليار برميل من النفط بين وقتنا الراهن وعام 2020، أي نحو ثلثي احتياطات العالم المؤكدة حاليا، وبالطبع فإنه من المحتمل اكتشاف احتياطات جديدة خلال هذه الفترة، كما أن تكنولوجيات جديدة سيتم ابتكارها لكي تمكن من إستخلاص موارد نفطية كانت تعد في السابق غير اقتصادية، أو غير ممكن الوصول إليها، مثل الموارد في المناطق المعزولة كسيبيريا والاعماق السحيقة للمحيط الاطلسي، ولكن إنتاج منتجات البترول مازال لا يتوافق مع الصعود الصاروخي في الطلب، كما أن النقص الذي شهده العالم لفترة من الوقت في بعض المنتجات النفطية خلال صيف وخريف عام 2000 سوف يصبح أكثر تواترا عن السابق. وينظر التحليل السياسي والاستراتيجي للعلاقات الدولية من خلال ندرة الموارد الحالية المتنازع عليها، ويركز على تلك المناطق التي من المحتمل أن تنشب فيها صراعات حول الوصول إلى الموارد الحيوية، أو التنازع على ملكيتها. حيث يظهر تحليل خريطة المناطق الرئيسية الغنية بالنفط والغاز الطبيعي أنها تقع في مناطق متنازع عليها، أو مناطق أخرى مثل منطقة الخليج، وحوض بحر قزوين، وحوض بحر الصين الجنوبي، إضافة إلى الجزائر وأنجولا وتشاد وكولومبيا وأندوبيسيا ونيجيريا والسودان وفنزويلا، وهي مناطق وبلدان تحتوي معا على نحو أربعة أخماس الاحتياطات المعروفة من النفط والغاز الطبيعي. كما أن خطوط الأنابيب وطرق حاملات النفط والغاز الطبيعي من مناطق إنتاجها إلى الأسواق في الغرب واليابان تمر من خلال مناطق تعد هي ذاتها موضعاً لتفجر العنف من وقت لآخر. فإمدادات النفط والغاز من بحر قزوين - على سبيل المثال - لابد أن تمر بمناطق القوقاز التي تشمل أرمينيا وأذربيجان وجورجيا ومناطق من جنوب روسيا قبل أن تصل إلى مخرج آمن على البحر، وجميع هذه المناطق تعج بالصراعات العرقية والحدودية - مثل الصراعات في إقليم ناجورنوكارباخ- التي تهدد خطوط أنابيب نقل النفط والغاز. هذا إلى جانب كون المصادر الواعدة الأكثر للنفط والغاز تتواجد أيضا في مناطق متنازع عليها، أو مناطق مزمنة في عدم استقرارها، خاصة وأنها تقع في مناطق ساحلية تعد ملكيتها موضوعا لنزاع عنيف، فالدول الخمس المطلة على بحر قزوين(إيران - كازاخستان، تركماستان، أذربيجان- روسيا) على سبيل المثال - لايزال عليها أن تتفق على خطة لتقاسم المناطق الغنية بالموارد، والموقف في منطقة بحر الصين الجنوبي أكثر إضطرابا، فهناك سبع دول تدعي ملكيتها لجزء أو كل المنطقة. كما أن تنازع ملكية المناطق الحدودية الغنية بالنفط، والتنازع أيضا حول ملكية حقول النفط البحرية، تتواجد أيضا في مناطق أخرى من العالم مثل منطقة الخليج والبحر الأحمر وبحر تيمور وخليج غينيا. الصراع على المياه على الرغم من أن الحصول على إمدادات كافية من الطاقة أصبح يحتل الأولوية الاولى بالنسبة للبلدان الصناعية فإن الحصول على كميات كافية من المياه سيصبح هو بؤرة الاهتمام المركزية لبعض البلدان الأخرى فالمصادر المائية أصبحت بالفعل غير كافية في إجزاء عديدة من الشرق الأوسط جنوب آسيا وإستمرار النمو السكاني وتزايد احتمال الجفاف الناجم عن الارتفاع في درجة حرارة الأرض من المحتمل أن يخلق ندرة مماثلة في أجزاء أخرى عديدة ويعقد من المشكلة أكثر أن موارد المياه لا تتطابق مع الحدود السياسية، ولذا فإن العديد من البلدان في ذات الأقاليم تتقاسم عددا من مصادر المياه الرئيسية ومع سعي كل دولة من الدول التي تتشارك في نفس المصدر لزيادة نصيبها من المياه، فإن تزايد خطورة الميل للنزاع لا المنافسة على هذه المصادر أصبح أمرا محتما. وتظهر خريطة المناطق المتنازع حولها كافة النظم المائية التي يتشارك فيها بلدان أو أكثر في المناطق القاحلة أو شبه قاحلة، وتشمل تلك المناطق النظم النهرية الكبرى مثل النيل والذي تشارك فيه مصر واثيوبيا والسودان إضافة إلى بلدان أخرى(ونهر الأردن) الذي تتشارك فيه إسرائيل والأردن ولبنان وسوريا، نهري دجلة والفرات، وتتشارك فيه تركيا والعراق وسوريا، ونهر الهندوس تتشارك فيه أفغانستان وباكستان والهند، ونهر أموداريا تتشارك فيه طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، وتتضمن الخريطة أيضا مناطق آبار المياه الجوفية التي تتشابه الأنهار في عبورها للحدود مثل آبار المياه الجوفية الجبلية التي تمر تحت أرض الضفة الغربية وتسحبها إسرائيل إليها، كما أن أحد الأسباب الرئيسية للصراع بين إسرائيل وسوريا حول هضبة الجولان يرجع إلى أهميتها بالنظر لكونها تشكل منابع معظم أنهار هذه المنطقة، كما تشرف على بحيرة طبرية التي تتمسك إسرائيل بالسيطرة عليها. هذا إلى جانب محاولات إسرائيل لتحويل مياه أنهار الجنوب اللبناني إلى داخل إراضيها، وكلها تشكل بؤر للصراع المسلح مستقبلا. لذلك يعد الموقف المائي العالمي مشحونا بشكل مشابه لحالة النفط والغاز، فبينما تعد المياه مصدرا متجددا حيث أننا نتلقى إمدادات جديدة منتظمة من هطول الأمطار وتساقط الثلوج، فإن كمية المياه التي تحل محل ما نستخدمه من الموارد المتاحة في أي عام من الأعوام تعتبر محدودة للغاية، وإذا كان ما نستخدمه حاليا هو نحو نصف كمية المياه المتاحة للشرب والزراعة والصناعة والملاحة. وغيرها إلا أن الحاجة لمصادر مائية إضافية ستتزايد في العقد المقبل. وهناك بالفعل العديد من المناطق في الشرق الأوسط وآسيا تعاني من ندرة المياه، وعدد البلدان التي تعيش في ظل هذه الظروف من المنتظر أن يتضاعف خلال الخمس وعشرين سنة المقبلة مع ازدياد عدد سكان العالم، خاصة الذين يعيشون في المناطق الحضرية وبحلول عام 2050 فإن الطلب على المياه يمكنه أن يزيد بنسبة 100% عن العرض المتاح، وهو ما يخلق صراعا محتدما على هذه المادة الأساسية للحياة في كافة أرجاء العالم فيما عدا قله قليلة من البلدان التي تتمتع بوفره في مصادرها المائية. والمياه، مثلها في ذلك مثل النفط والغاز، في الحديث عن الأمن القومي، فقد أعلن شيمون بيريز وزير خارجية إسرائيل أن مياه إسرائيل ليست ترفا. بل أن المياه هي الحياة ذاتها وبشكل مماثل أعلن بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة أن الحرب المقبلة في منطقة الشرق الأوسط سوف تندلع بسبب مياه النيل لا بسبب الخلافات السياسية. كما أعلنت بعض الحكومات أنها ستستخدم سيطرتها على مصادر المياه كوسيلة للضغط على الآخرين، من ذلك يصرح رئيس تركيا السابق تورجوت أوزال أن حكومته سوف توقف تدفق مياه نهر الفرات إلى سوريا فيما لم تعمل الأخيرة على وقف عمليات حزب العمال الكردستاني الارهابية التي تنطلق من قواعد موجودة في أراضيها، وهو ما هدد بنشوب حرب شاملة بين البلدين عام 1998. ومازال استخدام القوة لحل النزاعات المائية بين الدول أمرا قائما بدرجة احتمالية عالية في المستقبل، خاصة مع قلة توافر إتفاقات لتقاسم المياه. ـ خبير استراتيجي مصري