عندما وصلنا - الفقير كاتب السطور- إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك.. كانت المنظمة الدولية قد فرغت لتوها من وقائع إنعقاد المؤتمر الدولي المعني بالأسلحة الصغيرة وأخطارها على السلم والأمن الدوليين. كان وصولنا في مهمة إعلامية لحساب الأمم المتحدة بعد منتصف يوليو الماضي، فيما كانت أركان المنظمة الدولية مازالت تتردد فيها أصداء المرارة المشوبة بالاستغراب أو هو العجب المختلط بالمرارة وربما الاستنكار إزاء الموقف الذي عبرت عنه كلمات المندوب الأمريكي في مؤتمر الأسلحة الصغيرة المذكور اعلاه. ولقد سبق أن كتبنا في حوليات العام الماضي مقالا وربما أكثر في هذه الزاوية عن قضية الأسلحة الصغيرة وهي أيضا الأسلحة الخفيفة وأحيانا يصدق على الجميع وصف الأسلحة الشخصية بمعنى تلك النوعية من الأسلحة القابلة للنقل ومن ثم للتهريب والترويج عبر الحدود الوطنية وهو أيضا ذلك النمط من أسلحة الفتك والقتل والتدمير الذي يتسم بسهولة الإتجار فيه وبسرعة تطوير قدرة النيران التي تتولد عن استعماله وإطلاقه، فضلا عن أسعاره المخفضة مقارنة بالسلاح الثقيل المستخدم في التجمعات النظامية أو شبه النظامية. ولأن الأسلحة الثقيلة.. من دبابات ودروع وراجمات صواريخ ومدفعية ميدان.. كل هذه النوعيات مازالت موضع رصد ومتابعة وتدوين وتسجيل في دفاتر معاهد بحوث الأسلحة. وفي مقدمتها معهد الدراسات الاستراتيجية في العاصمة الإنجليزية لندن إضافة إلى سجل الأمم المتحدة للأسلحة المنبثق عن الهيئة الدولية لنزع السلاح - فقد نجم عن ذلك إزدياد خطورة الأسلحة الصغيرة - الخفيفة - الشخصية - اختر ماشئت من تسميات - لأنه يصعب رصدها ويعسر متابعة حركتها ويتيسر ثمنها ويسهل نقلها تهريبا وخلسة من مكان إلى مكان. خطر في كل القارات وقد لا يخفى على متابعتك الواعية لما يدور من حروب أهلية وصراعات إقليمية وحالات اقتتال داخلية في قارات العالم جميعا (نعم كل قارات الدنيا) ان كل هذه الحروب والصراعات الدموية بل والمجازر التي وصلت إلى درك الإبادة الجماعية أو استئصال شأفه البشر - الجينو سايد كما يقول المصطلح السياسي المستخدم دوليا - كلها تستخدم هذا النمط الخبيث - المستعر الخطورة من الأسلحة الصغيرة : إن حروب المافيات في كولومبيا تستخدم الكلاشنكوف في معارك تهريب المخدرات.. وكذلك يفعل المقاتلون الماويون (نسبة إلى زعيم الصين التاريخي ماوتسي تونغ) وهم فصيل خطير ومستجد على مسرح الصراعات الأهلية - الداخلية في جنوب شرقي آسيا (في نيبال بالذات) وكذلك الحال مع الأطفال الجنود وهم الظاهرة - الآفة في حروب أفريقيا الأهلية حيث الطفل المجند، المنتزع قسرا أو طوعا أو مخاتلة أو أغواء.. أو بفعل اليتم المفروض أو الفقر المدقع أو الحرمان المزمن - هذا الطفل لا يكاد يقوى سوى على حمل قطعة سلاح صغيرة أو خفيفة. ولكنه يمارس به أعمال التقتيل أو التمثيل (الإشارة هنا إلى الجثث وليست بداهة إلى المسرح) وكذلك الحال أيضا في الحروب والصراعات الاثنية الداخلية في أقطار البلقان. سؤال مطروح عن أمريكا ـ ترى هل تعد أمريكا - الولايات المتحدة هي الاستثناء الخيري من آفة الأسلحة الصغيرة؟ ـ الاجابة الحاسمة هي بالنفي القاطع.. بل وأكثر من هذا: هناك من المحللين المتابعين لهذه القضية من يقول بأن أمريكا تكون هي الحاضن لهذه القضية وهي بالتالي المصدر الأول لتعزيز آفتها واستشراء خطرها. السبب أن الدستور الأمريكي في واحد من تعديلاته المهمة يبيح الحق للمواطن الأمريكي العادي في حمل قطعة من السلاح الشخصي - الخفيف. والسبب الذي يسوقه الآباء المؤسسون للولايات المتحدة والآباء المشرعون لوضع دستورها العتيد هو: أن يكفل للمواطن الأمريكي حق الدفاع المشروع عن النفس حيث مصطلح (النفس) ينصرف إلى البيت والممتلكات والمتعلقات إلى جانب أرواح البشر بطبيعة الحال. دستور المستوطنين ورغم أن الدستور الأمريكي عمره الآن يزيد على 200 سنة وأكثر.. ورغم أن الدنيا تغيرت والأحوال تبدلت حيث إنتقل المجتمع الأمريكاني من مجتمع مستوطنين وافدين مغامرين كان الواحد منهم يضع يده - بالأدق يضع بندقيته من طراز القرن الثامن عشر أو التاسع عشر على قطعة أرض في هذه البقعة أو تلك بقصد أن يستولى عليها ويؤكد ملكيتها ويضع دون غيره حق استغلاها وتوريثها ومنطقه حسب القانون الطبيعي وقتها يكاد يتجسد في عبارة مخيفة تقول: يا قاتل.. يا مقتول وهي ترجمة أملتها ضرورات العصر وقتها لعبارات ترددت في التراث العربي تقول بدورها. ـ إذا لم تكن ذئبا.. أكلتك الذئاب ـ هذا المعني الذي سبق إليه شاعر جاهلي بليغ.. كان رجلا حكيما ومتزنا وعاقلا ولكنه - زهير بن أبي سلمي - لم يتورع عن أن يعبر عن هذا الموقف الاستيطاني كما يمكن أن نسميه في بيت من معلقته الشهيرة يقول فيه: ـ ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه ـ يهدم، ومن لا يظلم الناس.. يظلم(!) ـ نقول أنه رغم تبدل الأحوال.. من عصر وضع الدستور الأمريكي في أواخر القرن الثامن عشر وعصر استشراء حركة استيطان - استعمار أمريكا في القرن المذكور وربما قبله أو بعده ناهيك عن تبدل الأحوال من ايام زهير ابن أبي سلمى- رغم هذا كله فمازال هناك في أمريكا القرن الحادي والعشرين من يؤكد على الأهمية الحيوية لمشروعية الأسلحة الصغيرة في مجتمع البشر الراهن من حيث تداولها وشرائها واقتنائها - احرازها حسب التعبير القانوني وأحيانا التمادي في هذا الأمر إلى حيث المعلن والاعتزاز. فترينات ودكاكين السلاح والمسألة ليست مجرد فلسفة القانون واحترام اعراف الدستور في بلد كبير مثل الولايات المتحدة. المسألة أصلا هو المصالح المليارية التي يحققها لوبي إنتاج هذه النوعيات من الأسلحة بكل ما يوظفه أركان هذا اللوبي من استثمارات طائلة - بليونية في بعض الأحيان - في أغراض البحث والتطوير لترقية نوعيات الأسلحة كي تكون أكثر اغراء للمشترين شأنها في ذلك شأن أي سلعة مشروعة تعرض في فترينات المحلات ومراكز التسوق جنبا إلى جنب مع الكتب والاسطوانات والبارفانات ودمى الأطفال.. ومن لا يشتري.. يمكن أن يتفرج ويمكن أيضا أن يجرب السلاح ويتدرب على دقة التسديد وشطارة التصويب11.النوعيات من الأسلحة - هذه المحاولات قوبلت بعداء شديد ضد بيل كلينتون وبلغ الأمر أن ظل رئيس الجمعية وهو شخصية لاسمها فعل السحر شبه الاسطوري في مجتمع أمريكا - الممثل الأشهر (تشارلتون هستون - يعقد اجتماعات ويدلى بتصريحات تندد بالرئيس كلينتون وكيف أنه بسبيل أن يجرد المواطن الأمريكي من إحدى الصفات أو الميزات العزيزة على قلبه وقد كرسها آباؤنا الاماجد مؤسسو أمريكا ومشرعو دستورها - وهي حمل السلاح دفاعا عن النفس ... الخ. غزل مع الحزب الجمهوري لا عجب أن تكون (جمعية البندقية الوطنية) من الدعائم التي يرتكن إليها الحزب الجمهوري الحاكم حاليا في واشنطن وأن تكون الجمعية من أقوى مؤيدي الرئيس الحالي بوش - الابن، وأن تبادلها إدارة الرئيس بوش - الابن غراما بغرام وأن تكون إحدى وصلات هذا الغزل المشبوب في أروقة الأمم المتحدة حيث كان انعقاد المؤتمر الدولي الذي ألمحنا إليه في صدر هذا الحديث وكان كما اسلفنا - معنيا بخطر الأسلحة الصغيرة على كيان السلم والأمن الدوليين. لقد كان مطروحا على المؤتمر المذكور مشروع معاهدة من أجل تقييد - بمعنى تقنين تداول الأسلحة الصغيرة ولما كانت أمريكا في مقدمة دول العالم التي تشكو من استفحال ما تسميه باسم (ظاهرة الارهاب الدولي) رغم أن لها تعريفاتها الخاصة أو بالأدق المخصوصة إن لم تكن المتحيزة لمعنى (الارهاب) حيث تحرص الميديا المساندة للصهيونية ولإسرائيل على أن تربط بينها قسرا وبين العناصر الإسلامية أو العناصر التي ترفع الشعار الإسلامي فلا تميز في ذلك مثلا بين المناضلين من أجل تحرير الأرض المحتلة في فلسطين من ناضلوا بشرف وبسالة من أجل تحرير جنوب لبنان الذي كان محتلا.. وبين أي عنصر آخر قد يتمسح في الطرح الإسلامي دون أن يكون له قضية لتحرير الأرض أو تخليص الوطن من براثن احتلال أجنبي.. الكل إرهابي والكل يرسل لحية طويلة ويفضل أن تكون شعثاء لزوم كاميرات التصوير والمهم الربط التعسفي أو التحكمي أو الاعتباطي بين لفظتي ومفهوم (اسلام) و(إرهاب). ولما كان الإرهاب أيا كانت صفاته يعتمد على ممارسة العنف باستخدام أسلحة صغيرة في الغالب.. كان من المتصور أن تؤيد أمريكا معاهدة تقييد تداول ونقل وربما حظر هذه الأسلحة. خطاب الاستهانة والحاصل أن فوجئ المندوبون المجتمعون في المؤتمر الدولي بالأمم المتحدة بمندوب أمريكا يلقي في المؤتمر خطابا عجيب اللهجة والاتجاه. لم يكن المندوب أقل من سعادة السيد جون بولتون وهو وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الحد من الأسلحة وقضايا الأمن الدولي لقد اتسم خطاب المندوب الأمريكي في المؤتمر بنبرة (احتقار واستهانة) على حد الوصف الذي استخدمه كاتب أمريكي كبير هو الاستاذ انتوني لويس (نيويورك تايمز، 21 يوليو 2001) كان المسئول الأمريكي يناقش أو يفند بنود المعاهدة المقترحة بحظر تداول الأسلحة الصغيرة والإتجار بها فقال: «إن الأمريكيين لن يتنازلوا قط عن حقهم الدستوري في حمل الاسلحة». وهنا يكاد الكاتب انتوني لويس يقلب يديه استغرابا فلا المعاهدة المقترحة تشمل بندا يحرم الأمريكان من حق دستوري في إحراز المسدسات والبنادق آلية أو أتوماتيكية.. هذا إذا كان ثمة حق دستوري أصلا للأمريكان في هذا الخصوص على نحو ما يشكك الكاتب الأمريكي الذي لا يلبث أن يضيف قائلا: «إن خطاب وكيل الخارجية الأمريكية» المختص أمام مؤتمر الأمم المتحدة جاء بمثابة نشره صادرة عن جمعية البندقية الأمريكية ثم طرح أنتوني لويس تساؤلا بين قوسين يقول: «ترى هل وافق وزير الخارجية كولن باول على هذا الخطاب؟» وسواء حازت هذه المقولات الغريبة موافقة من جانب الجنرال باول أو لم تحز.. فنحن نتصور أنها صادرة عن إتجاهات مستجدة ينبغي الوقوف عندها ومعالجتها من منظور التحليل الجاد.. هي إتجاهات إدارة الرئيس بوش الحالية إزاء مسألة السلاح بشكل عام.. بين الإباحة والحظر وبين الإلتزام بمنظومة نزع السلاح بكل ما تضمه من معاهدات وإتفاقيات بذلت فيها البشرية عقودا من الجهد حتى توصلت إليها - أو عدم الإلتزام بهذه المنظومة، وفي ذلك ما يشكل خطرا علينا نحن سائر الأمم والشعوب وهذا ما سوف نعرض له في الجزء الثاني - الأخير من هذا البحث إن شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر