وهل يغني حبر القلم عن مداد القلب المذبوح، وهل يرد البكاء والعويل كرامة مهانة، أو يعيدان حقاً مسلوباً، بالتأكيد لا يغني هذا عن ذاك، فالأول تعبير عن حالة عجز، أما الثاني فممارسة لفريضة الغضب والانتفاض للكرامة. ويبدو اننا بتنا ـ للأسف ـ في فترة يهون كل شيء، حتى الأحداث الكبيرة، تختزل في كلمات، فُرغت من كل مضمون، وصارت باردة برودة أجساد الموتى، وبالتالي لا تحرك فينا شيئاً، ولا توخز كالإبر الملتهبة أرواحاً وأجساداً منهكة من الإغراق في السائد والمألوف، لاهية في الجري خلف كل ما هو هين وصغير. وتحت وطأة ما يجري من استهانة يومية لمقدساتنا في فلسطين، وإهانة لقيم النبل العربي، والفروسية العربية، نتساءل: ماذا دهانا، وهل هانت علينا كرامة امتنا إلى هذا الحد، حتى صرنا في نظر كبير حاخامات أحفاد القردة والخنازير كالنمل في التكاثر، لدرجة تدفعه للتحريض على قتل كل عربي؟ ولأن حبل التساؤلات ممدود بطول المهانة والإهانة التي تصفع جباهنا كل يوم بأيدي الصهاينة، نتساءل حقاً: هل نحن ننتمي لخير أمة أخرجت للناس، أم ماذا أصبحنا بعد أن ثملنا من التغني بتحررنا ووحدتنا وعروبتنا، ونحن نقف ساهمين شاردين وهي تضرب في العمق، وكأن الأمر لا يعنينا، أو كأننا نشاهد حدثاً فضائياً مسلياً بعنفه العبثي المجنون. في صفحات تاريخ عروبتنا أيام تأجج فيها الشعور بالكرامة القومية، والانتفاض دفاعاً عن العقيدة، وفيها صنعت الملاحم والأمجاد التي نتغنى بها حتى الآن، وهي ميراث يبدو كأننا لم نحفظه جيداً، واكتفينا مثل الوارثين «العاطلين» بتبديده والتمتع به دون ان نضيف له. في تلك الأيام كانت بوصلة أجدادنا اتساق القول مع العمل، وليس كما نبتلى في أيامنا هذه بأقوال وتصريحات تمضي في اتجاه وأفعال تسير على نقيضها، لدرجة أفقدتنا المصداقية في عيون أعدائنا، ولم يعد يرهبهم شجب ولا تنديد، ولا وعد ولا وعيد. بصراحة، أعترف انني غارق حتى قمة رأسي في بحر من الأسى واليأس، كاد يودي ببقية من أمل تمد لي خيط نور يهديني، لولا مشاهد الشهداء التي تتوالى في مواكب من نور، وتقول بكلمات مكتوبة بمداد صدق مبرأة من الزيف والخداع، انها فترة عابرة في تاريخنا، وستعود الأمة إلى سابق عهدها، عفية قادرة على تطهير جسدها، حتى ولو احتاجت «لفصد دم» قاس يداوي أوجاع مرحلة الانكسار.