الحكم على السياسة الخارجية لأية دولة بأنها ناجحة أو فاشلة معياره مستهدفات هذه السياسة، والوسائل التي تختار الاعتماد عليها من بين سلة البدائل المتاحة، والفترة الماضية من حكم الرئيس بوش قد لا تكون كافية لتقييم حصاد سياسته الخارجية، إلا إذا كان معيار النجاح والفشل درجة القبول التي تتمتع بها هذه السياسة لدى الحلفاء والخصوم، وقد جاء بوش الجمهوري بعد فترتين من حكم الديمقراطيين أخذت السياسة الخارجية فيها شكلا مستقرا، وقد كانت السمة الرئيسة لسياسة كلينتون الخارجية تهدئة الملفات الساخنة وإظهار قدر كبير من المرونة مع الخصوم والحلفاء على السواء، أما بوش فاستبدل بالتهدئة التصعيد في معظم الملفات الساخنة، وبالتالي فإن معيار نجاح السياسة الخارجية الأمريكية أو فشلها هو قدرتها - من خلال التصعيد - على حماية المصالح الأمريكية. وقد كان النهج الديمقراطي هو التدخل النشط - دبلوماسيا - في المناطق التي تمثل أولوية قصوى للمصالح الأمريكية فزار كلينتون الصين ليكون أول رئيس أمريكي يزورها منذ أن زارها ريتشارد نيكسون زيارته التاريخية في بداية السبعينات، كما زار فيتنام، واقترب من ملف التسوية السلمية في الشرق الأوسط بدرجة لم تحدث منذ عهد الرئيس الأمريكي - الديمقراطي أيضا - جيمي كارتر. وجاء بوش ليعلن أن الولايات الأمريكية لن تتدخل بهذه الدرجة في المفاوضات وستترك الأمر بصفة أساسية للفلسطينيين والإسرائيليين. ويشكل مشروع درع الصواريخ مثلا جيدا على الخيار الجديد الذي اختارته الولايات المتحدة في إدارة علاقاتها الدولية، فعلى خلاف سياسة كلينتون التي استهدفت توسيع تحالفاتها بضم دول شرق أوروبا لحلف شمال الأطلسي، وفتح مجال حيوي جديد للدبلوماسية الأمريكية في إفريقيا التي ظلت حتى عهده مهملة، يبني بوش بمشروعه جدارا ضخما من الخوف بين أمريكا والعالم كله. وهو ما يكفل لها استجابة سريعة وغير مكلفة من أية عاصفة تعرض عليها صداقتها، فتكريس التفوق جزء من استراتيجية لدفع الخصوم - والحلفاء أيضا - الى طلب رضائها. وهو أقصى ما تحلم به أية قوة عظمى في العالم. وهذا المشروع المثير للخلاف نسخة معدلة من مشروع «حرب النجوم» الذي كان يلوح به الرئيس الأمريكي - الجمهوري أيضا - رونالد ريجان. والآثار المحتملة لمثل هذا المشروع على اقتصاديات الخصوم سيكون لها أبلغ الأثر في الاقتصاد الأمريكي وقدرته على المنافسة. فلاشك في أن المنافسة الاقتصادية مع خصوم يعيشون حالة استرخاء نسبي إزاء المخاطر الأمنية أصعب من المنافسة مع منافسين غير مستقرين أمنيا يخصون الأمن بالقسم الأكبر من دخلهم، ويستحوذ على القدر الأكبر من اهتمامهم. وحالة الاستنفار التي تشهدها مواقع عديدة - رسميا وشعبيا - ضد السياسة الخارجية الأمريكية اختبار حاسم لمدى احتمال نجاحها، فقدر المغامرة في التغييرات التي أدخلها بوش عليها كبيرة ويطال ملفات قد يشكل الفشل فيها كارثة تصيب المصالح الأمريكية. ففي آسيا حيث توجد أكثر مناطق العالم افتقارا للاستقرار تسعى روسيا بخطى ثابتة لإعادة بناء العلاقات في المنطقة في منظومة تحتل فيها مكانا مركزيا، وتشهد علاقاتها مع الصين تطورات إيجابية كبيرة. بل إنها لعبت دور العامل المشترك في جمع الصين والهند وهما عدوان لدودان ليكون كل منهما حليفا لها، وهو تحالف يشكل رقما كبيرا في أية توازنات قوى دولية أو إقليمية. وهو ثمرة من ثمار السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة. وقد كان تخويف الأوروبيين من الخطر السوفييتي ضمانا لبقائهم تحت المظلة الأمنية الأمريكية، بما تعنيه من قدرة عالية على تأثير في القرار السياسي والتوجهات الاقتصادية، وبزوال هذا التهديد انتقلت قاطرة الوحدة الأوروبية وتأثرت المصالح الأمريكية، ومازالت مرشحة لمزيد من التأثر والانكماش في أوروبا. وتحقيق نجاح في شرق آسيا مرهون بوجود حالة من التوتر تمنع السيناريو الأوروبي من أن يتكرر، ولما كانت المنطقة لا تواجه خطرا عسكريا حقيقيا يدفعها للارتماء في أحضان واشنطن، فإن الخوف من واشنطن نفسها يصبح الحل الوحيد. لكن النتائج لم تزل بعيدة والنجاح والفشل واردان بالقدر نفسه. ـ كاتب مصري