في خطابه بمناسبة يوم الاتحاد عام 1991 تحدث جورج بوش الأب الى الأمة الأمريكية والى العالم مبشرا بقيام نظام عالمي جديد يقوم على التعاون والسلام والاستناد الى العدالة وأحكام القانون الدولي والشرعية الدولية في ظل قيادة الولايات المتحدة للعالم بوصفها القوة العظمى الوحيدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. وتفاءل الكثيرون بميلاد عالم جديد يسوده التعاون والرفاهية واحترام الحقوق والحريات، وتتراجع فيه الحروب ويتم التوصل الى تسويات سلمية لنزاعات وصراعات مزمنة في بقاع العالم المختلفة راح ضحيتها ملايين البشر وأهدرت فيها الأموال التي كان يمكن توجيهها الى صالح الانسان في كل مكان على كوكب الأرض. إلا أن المسكوت عنه في خطاب جورج بوش الأب المؤثر تناولته الدراسات والبحوث التي قامت بها مراكز البحوث الأمريكية، إذ اتجهت هذه الدراسات الى البحث عن الوسائل والسبل التي تضمن استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في موقعها المتميز في قيادة هذا العالم الجديد الذي تحدث عنه بوش الأب في خطابه، والسؤال المحوري والذي كانت له الأولوية في هذا السياق كان يدور حول هل من مصلحة الولايات المتحدة أن تقود العالم أم انه من الأفضل لها أن تعود الى سياسة العزلة؟ هذا السؤال يعبر في جوهره عن نمط الفكر السياسي البرجماتي الأمريكي الذي يعطي الأولوية لكل ما هو عملي وواقعي من المنظور الأمريكي على المبادئ والمثل مهما كان بريقها. وقد حسم الأمريكيون موقفهم وهو أن مصلحة الولايات المتحدة في ظل المعطيات والظروف القائمة أن تضطلع بهذا الدور، بل أن ريتشارد نيكسون الرئيس الأمريكي الأسبق رأى في كتابه الصادر آنذاك بعنوان (انتهزوا الفرصة)، إن هذه الظروف تتيح فرصة تاريخية غير مسبوقة للولايات المتحدة لنشر نموذجها الحضاري والثقافي سياسيا واقتصاديا في ربوع العالم. وجاءت ادارة كلينتون وعلى مدى ما يقرب من عقد من الزمان لتحاول ترسيخ هذا الدور، وتراوحت النتائج بين النجاح والاخفاق، إلا أن المحصلة العملية لهذا الدور كانت ايجابية بالنسبة للولايات المتحدة، إذ تحققت معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي، وتحسنت الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة، كما تم علاج الخلل في الموازنة الأمريكية والذي كان عجزا مزمنا على مدى السنوات السابقة. وقد اتبعت ادارة كلينتون خلال فترتي رئاسته نهج الدبلوماسية المرنة اللينة في أغلب الأحوال، ولم تلجأ الى التشدد إلا في بعض الحالات التي رأت أن التشدد يحقق المصالح الأمريكية. ولكن العالم على الجانب الآخر بدأ يدرك بعد مرور بعض الوقت أن ما بشر به جورج بوش الأب من سلام وتعاون وعدل لم يتحقق ففي ظل وهم الحلم الأمريكي ازدادت حدة الفقر والبطالة والتهميش وازدادت حدة بعض الصراعات وظلت الصراعات القديمة قائمة وظهرت صراعات جديدة، كما أن الدولة العظمى الوحيدة التي تقود العالم لم تلتزم بما دعت اليه من مبادئ ومثاليات في العديد من المواقف، حيث كان الكيل بمكيالين في هذه المواقف وبما يتوافق ومصالحها الأساسية دونما أي قيد مبدئي أو أخلاقي، ودون مراعاة في أغلب الحالات لمصالح الأطراف الأخرى من العالم، بل إن الولايات المتحدة التي دعت الى الالتزام بأحكام الشرعية الدولية المتمثلة في أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي كانت أول من خالف هذه الأحكام، ناهيك عن المحاولات المتكررة لتوظيف الأمم المتحدة ومجلس الأمن بما يتوافق وسياستها ومصالحها، ووصل الأمر الى قيام الولايات المتحدة باتخاذ اجراءات منفردة تجاه بعض الأزمات الساخنة بعيدا عن المنظمة الدولية، وتصاعدت السياسة الأمريكية باتجاه غطرسة القوة، وتصور الأمريكيون أنهم يملكون القوة والقدرة الكافية لاعادة هندسة العالم إن صح هذا التعبير دون الاهتمام برؤى ومصالح الآخر، فالعصر الأمريكي أو السلام الأمريكي لابد وأن يسود العالم لأطول مدى زمني ممكن. ومع مجيء جورج بوش الابن الى البيت الأبيض بدا أن الاتجاه العام للسياسة الخارجية الأمريكية في عهده سوف يكون في نطاق بسط الهيمنة الأمريكية على العالم، ليس من خلال الدبلوماسية المرنة فحسب وإنما من خلال دبلوماسية القوة السافرة التي لا تتخفى في أي قفاز حريري، وهو أسلوب لا يتلاءم مع معطيات الواقع القائم في العالم اليوم، ولا مع المصالح الأمريكية المنتشرة في العالم ولا مع القدرات الأمريكية المتاحة، واذا ما أضفنا الى هذا ضعف خبرة الادارة الأمريكية الجديدة الواضح بالشئون الدولية، فإن الصورة تكون قد اكتملت لتفسير الانتكاسات التي تعرضت لها السياسة الخارجية الأمريكية في الآونة الأخيرة ومن أبرز مظاهرها: 1 ـ وجود خلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين حول مبادرة درع الدفاع الصاروخية في قضايا المناخ والحفاظ على البيئة بعد رفض الولايات المتحدة التوقيع على ميثاق كيوتو. 2 ـ تدهور العلاقات الأمريكية الروسية بصورة واضحة بسبب المحاولات الأمريكية لتهميش روسيا الاتحادية، اضافة الى اصرارها على مبادرة درع الدفاع الصاروخية، وأن معاهدة 1972 الموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق بخصوص الصواريخ بعيدة المدى لم تعد ملائمة للظروف الجديدة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. 3 ـ تدهور العلاقات الأمريكية الصينية بسبب حادثة طائرة التجسس الأمريكية التي دخلت الأجواء الصينية فاصطدمت بطائرة صينية، سقطت على أثرها الطائرة الصينية، وهبطت طائرة التجسس الأمريكية في أحد المطارات الصينية دون إذن مسبق الأمر الذي اعتبرته الصين انتهاكا غير مقبول لسيادتها، وبدلا من أن تتجه الولايات المتحدة الى احتواء الأزمة اتجهت الى التصعيد من خلال الضغط على الصين بالورقة التايوانية، الأمر الذي أدى الى ازدياد حدة الشك وعدم الثقة بين الجانبين. 4 ـ خسارة الولايات المتحدة لمقعديها في يوم واحد هو 3/5/2001 من لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان لأول مرة منذ إنشائها عام 1946، وفي المجلس الدولي لمكافحة المخدرات التابع للمنظمة الدولية وقد رأى البعض في ذلك دليلا على فقدان الولايات المتحدة لمصداقيتها على المستوى الدولي، وعلى رفض العالم لمحاولات الولايات المتحدة فرض هيمنتها وسيطرتها على العالم. 5 ـ فشل مشروع العقوبات الذكية التي حاولت الولايات المتحدة وبريطانيا تمريره في مجلس الأمن كنظام جديد للعقوبات المفروضة على العراق، بعد أن هددت روسيا الاتحادية باستخدام حق النقض اذا ما عرض المشروع للتصويت في مجلس الأمن. 6 ـ الفشل الأمريكي في التوصل الى تسوية سلمية للصراع العربي الاسرائيلي واطلاق يد الارهابي المتطرف آرييل شارون في استخدام الآلة الحربية الاسرائيلية الثقيلة في حرب ابادة للشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة ومحاولة التغطية على نشاطه الارهابي المعلن وما يرتكبه من جرائم من خلال طرح بعض القضايا الباهتة على دول المنطقة بوصفها تهدد الأمن والسلام في الشرق الأوسط. هذه هي أهم مظاهر أزمة السياسة الخارجية الأمريكية الواضحة الآن إلا أن تحليل التفاعلات الدولية القائمة الآن على المسرح العالمي تبين عمق الآثار الناتجة عن الاخفاق الأمريكي القائم على التطورات المستقبلية في العالم، فلقد أتاحت هذه الاخفاقات الفرصة للقوى الدولية الكبرى لاعادة النظر في القبول بالدور الأمريكي، ومن هنا تبرز التفاعلات الروسية الصينية الأخيرة بوصفها تقدم نموذجا واضحا لرفض الرؤى الأمريكية لهندسة العالم، فالتقديرات الأمريكية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا تدور حول أن الصين هي قوة اقليمية في الأساس وليس قوة كونية، وأن روسيا سوف تظل لأمد طويل تعاني من أمراضها الاقتصادية الأمر الذي يمنع قيامها بدور مؤثر في السياسة الدولية. التفاعلات الصينية الروسية جاءت لتؤكد عدم صحة هذه التقديرات ففي 15 يونيو 2001 أعلن عن تأسيس منظمة شنجهاي للتعاون وتضم الصين وروسيا، وكازاخستان، طاجيكستان، وقيرجستان، وأوزبكستان بحضور رؤساء هذه الدول، وهو ما يعني اقامة أكبر منطقة في العالم للتعاون الاقتصادي تجمع بين آسيا وأوروبا، توقيع هذا الاتفاق بحد ذاته يحمل في طياته دلالات هامة منها أنه يقدم نموذجا لنوع جديد من التحالفات الدولية التي كانت بعيدة عن التصورات الأمريكية، كما يبين حقيقة توجهات السياسة الصينية نحو الكونية وليس الاقليمية، ويوضح أن هناك أوراقا عديدة في يد الدب الروسي لم يتم استخدامها بعد، خاصة وأن هذا التجمع الجديد يضم دولا تمتلك أكبر احتياطي من النفط والغاز الطبيعي، والذي تخطط الولايات المتحدة لاستخدامه في المستقبل كبديل عن الاعتماد على النفط العربي، هذا بالاضافة الى أن لهذه الدول روابطها القديمة مع روسيا الاتحادية. من ناحية أخرى يعتبر الموقف الأوروبي غير المتحمس لمبادرة الدرع الصاروخية الأمريكية، والخلاف القائم حول بروتوكول كيوتو، اضافة الى بعض الخلافات التجارية الأخرى العديد من علامات الاستفهام حول مدى قوة واستمرارية التحالف التقليدي الأمريكي الأوروبي بصورته القائمة. ومن ثم يمكن القول بأن الأخطاء الأمريكية قد أتاحت الفرصة لإحداث نوع من التغير في النظام الدولي القائم من النظام الواحد القطبية الصارم الذي تقوده قوة عظمى وحيدة الى ما يطلق عليه بعض علماء العلاقات الدولية النظام الواحد القطبية الهش الذي تضعف فيه سيطرة القطب الواحد على تفاعلاته، وهو يعد بمثابة مرحلة انتقالية في نظر هؤلاء العلماء للتحول الى نظام متعدد الأقطاب. وليس معنى هذا أن التحول سوف يحدث بين ليلة وضحاها وإنما يعني أن عملية التحول قد بدأت، ولاشك في أن الولايات المتحدة سوف تقاوم هذا التحول الذي يتعارض مع مصالحها ولكن كيف ستقوم بذلك وهل ستنجح أم ستفشل؟ هذا هو السؤال. ـ أستاذ علوم سياسية ـ جامعة حلوان