لم يعد سراً ان معطيات الواقع العربي اليوم هي التي اتاحت للولايات المتحدة فرصة للتحلل حتى من عبء التظاهر بكونها وسيطاً عادلاً في الصراع بيننا وبين الكيان الصهيوني، فها هي واشنطن لم تتورع عن المجاهرة بتحيزها السافر للصهيونية، وتهديد كل من يحاول المساس بها ولو بمحاولة طرح وجهها العنصري للمناقشة في مؤتمر دولي، يحضره ممثلو الصهيونية واصدقاؤهم ويكفل لهم المؤتمر طرح وجهات نظرهم ومحاولة الدفاع عن صهيونيتهم. ورغم ان مسئولي الأمم المتحدة المنظمين للمؤتمر الدولي ضد العنصرية المقرر عقده اخر هذا الشهر اكدوا ان مناقشات المؤتمر ستتركز على انتهاكات حقوق الانسان في جميع انحاء العالم، ويحق لكل دولة الدفاع عن نفسها، الا انه يبدو ان مجرد تناول الصهيونية، ولو بالمناقشة اصبح من التابوهات او المحرمات التي بات محظوراً على الجميع الاقتراب منها، فقد سارعت وزارة الخارجية الأمريكية وأبلغت سفراء نحو اربعين دولة بأن الرئيس بوش لن يرسل اي ممثل له في المؤتمر، بل ان ممثل البيت الابيض قال «ان مجموعة من دول العالم الثالث تحاول خطف المؤتمر من خلال ادراج بند يطالب بمساواة الصهيونية بالعنصرية». وكان للتهديد الامريكي بالطبع اثره المتوقع على المفوضية العليا لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة، التي بادرت بدورها بتحذير الدول العربية من وضع الصهيونية على جدول اعمال المؤتمر والا سيكون مصيره الفشل. والسؤال هنا لماذا لا تبادر الجامعة العربية بالاتصال بدول العالم الاسلامي، بل وبقية دول العالم الثالث لاقناعها بالتهديد بدورها بعدم حضور المؤتمر اذا فرضت شروط مسبقة على جدول اعماله. واذا اضفنا الى ذلك معارضة واشنطن ايضاً لطرح القضية الاخرى التي تأمل دول العالم الثالث وعلى رأسها دول افريقيا تحقيق مكاسب من وراء اثارتها في المؤتمر، وهي قضية مطالبة الدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة بدفع تعويضات عن قرنين من استعباد هذه الدول لبعض ابناء القارة الافريقية. فمن الواضح والحال كذلك ان المؤتمر المقبل لن يحقق ما نأمله منه، لذلك فليس اقل من ان ننتهزها فرصة لممارسة اسلوب الفعل ـ وليس رد الفعل ـ اما بحشد مقاطعة دولية لأعمال المؤتمر اذا اصرت الدول الكبرى على موقفها، او الدعوة لعقد مؤتمر اخر لدول العالم الثالث تناقش فيه هاتان القضيتان بالتحديد والتوصل الى موقف جماعي فعال بشأنهما يتيح لدول الجنوب ان تتلمس قدرتها على ممارسة الضغوط للدفاع عن مصالحها، بعد ان ظلت عادة ممارسة الضغط مقصورة لفترة طويلة على الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل.