ليس جيفري أرجر مجرد واحد من كوكبة اللوردات البريطانيين الكبار، الذين يملأون بمهابتهم أروقة القاعات السياسية في لندن، وربما في أوروبا كلها. ولم يكن جيفري كذلك مجرد عضو سابق في البرلمان البريطاني التليد الذي تهتز لقراراته جنبات المملكة المتحدة، وتتوقف عليها حياة الناس في هذه البلاد التي كانت ذات يوم لا تغيب عن أراضيها الشمس. لكنه قبل هذا وبعده واحد من الأدباء الكبار الذين يسهمون بحظ وافر في الحياة الثقافية البريطانية المعاصرة، فكتبه تتزاحم على أرفف المكتبات المهمة في بريطانيا، كما أنها تتصدر عادة القائمة الذهبية الساخنة لأفضل الكتب مبيعا وانتشارا . على مدى أسابيع وأشهر. جيفري أرجر - إذن - صاحب دخل يقدر بالملايين، وصاحب شهرة واسعة في المجتمع البريطاني، وهو واحد من نجوم السياسة، حيث كان، في وقت ما، نائبا لرئيس حزب المحافظين، وهو أنشط من قام بجمع المال لحزبه السياسي في حملاته الانتخابية، ولذلك كانت مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تطلق عليه وصف «الرجل ذو الطاقة الهائلة». ومنذ سنتين فقط كان مرشح حزب المحافظين لمقعد محافظ العاصمة البريطانية، وهو المنصب الذي قد تضاهي أهميته منصب رئيس الوزراء نفسه، لا سيما أن لندن هي عاصمة المال العالمي، وإحدى أكبر العواصم الأوروبية وأغناها وأكثرها فاعلية. ما دعاني إلى الحديث عن هذه الشخصية التي تمتلك كل الصفات التي ذكرتها في السطور السابقة، أن هذا الرجل المشهور والمرموق والفعال دخل السجن في الأسبوع الماضي ليقضي وراء القضبان أربع سنوات بعد أن أصدرت إحدى المحاكم حكما بإدانته بتهمة «الشهادة الزور»، التي وصفها القاضي بعد أن أصدر حكمه بأنها أكثر وأشد جرائم الشهادة الزور التي عَرضت له في تاريخه القضائي. قصة هذه الشهادة الزائفة قديمة، تعود إلى خمس سنوات مضت، لاشك أن جيفري كان يذكر أحداثها بالتفصيل وهي تتابع على ذاكرته كشريط سينمائي كابوسي، وهو ينظر من النافذة الضيقة في السيارة التي أقلته من المحكمة إلى السجن وقد حملت معه كذلك أحد القتلة المدانين. فمنذ خمس سنوات اتهمت إحدى الصحف «جيفري» الذي يلقبه كثير من قرائه بـ «تشارلز ديكنز» الجديد، بأنه في سنة 1986 قضى ليلة حمراء مع «سيدة ليل». وهنا استشاط الرجل (الذي يحمل وجها وسيما وطولا فارعا) غضبا، واتجه إلى القضاء رافعا دعوى ضد الصحيفة متهما إياها بالتشهير به ظلما، والإساءة إلى سمعته العائلية والسياسية، وقد ربح الدعوى والتزمت الجريدة بدفع ثلاثة أرباع المليون من الجنيهات الإسترلينية على سبيل التعويض. وأقفلت القصة بعد ذلك، وكان يمكن أن يظل هذا الحكم بإدانة الجريدة هو المشهد الأخير، لولا أن خلافا عميقا - فيما يبدو - نشب بين «جيفري» الذي يبلغ الآن الواحدة والستين، وصديقه الذي شهد في المحكمة - زورا- أنه كان معه في الليلة نفسها التي ذكرتها الصحيفة ووصفتها بأنها حمراء، فبعد أن رشح «جيفري» نفسه ونزل إلى مضمار السباق من أجل الحصول على منصب محافظ العاصمة لندن، عبر صديقه ذاك عن غضبه، بأن اتصل بإحدى الصحف اللندنية ليذيع الخبر، الذي فتح القصة مرة أخرى، لتعاد صياغتها من جديد، فالصديق اعترف بأنه شهد زورا مع «جيفري» بقصد تضليل العدالة، وأنه لم يكن معه في تلك الليلة، وأنه - أي «جيفري» ـ قضى بالفعل مع سيدة الليل ليلته التي تحدثت عنها الصحيفة ووصفتها بالحمراء، (والتي تحولت بطبيعة الحال إلى اللون الأسود). وكان يمكن لهذه الشهادة أن تمر بوصفها تنفيسا لغضب الصديق، أو مجرد محاولة فاشلة لتعكير الأجواء. لكن الرياح جاءت بما لا تشتهيه سفينة «جيفري»، الذي انقلبت عليه سكرتيرته الخاصة، بعد أن عملت معه فترة طويلة، ثم حرمها - كما تدعي - من بعض حقوقها المالية، فوجدت الفرصة سانحة في الانتقام منه، بأن تقدمت للمحكمة بوثائق تفيد بأن «جيفري» طلب منها أن تُدخل تعديلا «مزورا»على برنامج مواعيده في تلك الليلة، وأن تدون (بشكل لاحق) موعدا بالتاريخ نفسه يفيد بأنه كان مع «الصديق الغاضب» ذاك! لكن السكرتيرة كانت تحتفظ بصورة من برنامج المواعيد الأصلي قبل التعديل، وقدمتها للمحكمة، كما استعانت بشاهد يؤيد كلامها، الذي أخذت به المحكمة وضمته إلى ادعاءات الصديق الغاضب، لتجد المحكمة نفسها أمام قرائن دامغة تثبت إدانة «جيفري» بصورة قاطعة اطمأن معها القاضي إلى إصدار حكمه السابق ذكره بالسجن على اللورد السياسي الأديب. ويبدو أنه عندما يسقط الكبار تتضح فضائحهم أكثر وتنكشف خباياهم أسرع ويتجرأ الآخرون على فتح الملفات، والتفتيش في الأحداث اليومية، للـ «كبير» بحثا عن إدانة هنا، أو سقطة هناك! فقد كتبت إحدى الصحف أن «جيفري» (صاحب الملايين) كان يتسوق في أحد المحال الكبيرة في كندا، وعندما همّ بالخروج لمحه حراس الأمن وهو يحمل بدلتين (يبدو أنه نسيهما على يديه)! من دون أن يدفع ثمنهما، وعندما قُبض عليه وكشف عن شخصيته اعتبر المسئولون أنها مجرد حالة «نسيان» فقط! إلى ذلك بدأت أجهزة الضرائب البريطانية تخرج تقارير عن ثروة الرجل تمهيدا لإعادة محاسبته، وبطبيعة الحال لم تقصر الصحافة في إظهار كل هذه الوقائع إمعانا في إظهار الجانب الآخر المعتم من الرجل. قضية جيفري أرجر ليست الوحيدة من نوعها في الساحة السياسية الغربية، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكنها الأكثر شهرة، الآن على الأقل، فقد اختلطت فيها الشهرة والمال و النزوات بالصراع الشخصي والاجتماعي مع استخدام الوسائل المتاحة سواء الأخلاقية أو غير الأخلاقية، وسواء في إطار القانون أو خارج دائرة القانون. وبطبيعة الحال لم أكتب عن هذه الحادثة رغبة في التسلية بأخبار عن واقعة «جرائمية»، أو حتى التمتع بمشهد رجل من كبار القوم وهو يسقط في الهاوية، ولكن المغزى الذي أريد أن أصل إليه، والذي يمكن أن يمثل إفادة حقيقية لنا من قراءة هذه الحادثة أن المجتمعات القوية التي تسعى إلى التقدم، لابد أن تتمسك بالقانون، وأن تجعل منه سقفا يعلو على رؤوس الجميع، بحيث لا يتجاوزه أحد، ولا يعوق تنفيذه أحد. صحيح أن الشرارة الأولى لكشف القضية جاءت من اعترافات «سيدة ليل» اكتشفت شخصية الرجل وأرادت أن تمارس حياله عملية ابتزاز، وأنها استعانت في ذلك بالجريدة الفضائحية التي نشرت القصة. لكننا نتحدث عن نظام قوي لا يتسامح مع الخطأ، ولا يبتسم في وجه المذنب، نظام يؤمن بأن القانون هو الوسيلة الأكثر فعالية ليس لضمان أمن المجتمع فحسب، بل لضمان وجوده نفسه، ومن هنا فإن القانون في الديمقراطيات الراسخة يمثل حصنا واقيا للمواطن والوطن معا، ولذلك فمهما ارتفع شأن إنسان، أو حقق شهرة أو مالا، أوحتى قدم أجلّ الخدمات للوطن، كل هذا لا يجعل القانون يغضي بصره عن أي خطأ يتجاوز القواعد العامة أو المواضعات المرعية ... فبطل قصتنا هذه تحول في ساعات من رجل تفتح له كبار الصالونات الأدبية والسياسية، وتتلهف محطات التلفزة على دقائق يتحدث فيها على شاشاتها إلى سجين معزول عن المجتمع، يعيش وراء القضبان الباردة مع جماعة من المجرمين. أما في بلادنا أو أكثرها، على الأقل، فإن شهرة الشخص أو تقلده منصبا رفيعا يعد جواز مرور له لاختراق القانون والعبث بالقواعد. فالصحف تطالعنا بأخبار «نواب القروض» تارة، ومتجاوزي القانون والدستور تارة أخرى والمنتحرين بعد اتهامهم بجرائم فساد ثالثة ... إلخ. وربما كان ما نسمعه هو القليل الذي يمثل الجزء الصغير الظاهر من جبل الفساد الذي يتوارى أغلبه تحت السطح، بينما لا نرى في أكثر الأحيان الدوائر القانونية تُعمل أحكامها في ردع المتجاوزين ومعاقبة المنحرفين. فذهاب جيفري أرجر إلى السجن، بل وتوقيف وزير الداخلية البريطاني نفسه من قبل أحد رجال الشرطة منذ أشهر بسبب تجاوز الوزير للسرعة المسموح بها، وغير هذين من الأحداث التي يبدو فيها الأثر الفعال للقانون في الديمقراطيات الراسخة، إنما تمثل عنصر اطمئنان للجمهور العام بأنه يعيش في دولة مؤسسات، وأن المواطن العادي يقف على قدم المساواة مع أصحاب المناصب أمام القانون الذي لا يفرق بين الناس تحت أي مبرر. فإذا كانت الحرية الشخصية مكفولة، بل ومقدسة، في إطار القانون، فإن هذا القانون نفسه - حفاظا على الحرية - يقف صارما أمام أي تعدٍ على حرية المجتمع أو حرية الآخرين، وهو أمر تؤمن الديمقراطيات الحديثة بأنه لا استقرار ولا تقدم للمجتمع من دون تطبيقه بحزم. لكن التطبيق الصارم للقانون في المجتمعات الديمقراطية، لا يعني أنها مجتمعات من الملائكة، أو أنها مجتمعات يحيا مواطنوها في رحاب المدينة الفاضلة، فهناك دائما النزعة الإنسانية نحو تحقيق المصلحة الذاتية، وهي أحيانا تدفع المرء باتجاه يعاكس القانون ويخترقه، ولذلك فهناك كثير من الجرائم ترتكب تحت جنح الليل ولا يكشفها أحد، وهناك استغلال للنفوذ يحدث أحيانا من وراء ظهر القانون، وهناك ضغوط تمارس أحيانا على الصحافة وغيرها. لكن المهم أنه عندما تقبض يد القانون على شخص تجاوز أو انحرف، فإنها لا تجعله يفلت من بين أصابعها، ولعل اللورد جيفري أرجر الذي روينا قصته الآن خير مثال على ذلك، فهو - على عكس النهايات السعيدة لأبطال رواياته - يعيش الآن وهو في خريف عمره نهاية لم يكن خياله يتطاول إليها. وتظل الحقيقة اليقينية أن الجسم الاجتماعي الذي يمتلئ بالحيوية والصحة والعافية يتخذ دائما من القانون آلية للمقاومة تمكنه من الانتصار على جراثيم الانحراف والفساد. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت