يسبقني حضوره، أراه حتى في غيابه، إذ أفتح الباب، الستائر مزاحة، يتدفق الضوء الى الحجرة، كل ما أراه منسق، مرتب، لا يختل الا عند تخلفه، اضطراره الى اجازة استثنائية، يجيء مبكرا، قبل السابعة صباحا، يسكن قرية صغيرة قرب القناطر الخيرية، يضطر الى التنقل من عربة أجرة صغيرة الى حافلة عامة الى قطار ثم يمشى من المحطة الرئيسية حتى المبنى القريب من وسط المدينة. الورق مرتب الى يمين المكتب، تماما كما اعتدت، الصحف والمجلات الى الطرف الأيسر، التقويم يوضح تاريخ اليوم، كوب ماء ممتلئ فوق طبق من الخزف، منضدة مستديرة، اللوحات المعلقة الى جدار يعكس الزجاج الذي يغطيها، يرشها يوميا بمنظف خاص، يحتفظ في ركن من الحجرة، مابين صوان الكتب والجدار بقطع قماش صفراء، وريشة لازاحة الغبار، وزجاجات أخرى لمواد التنظيف، يحرص على استلامها أول كل شهر. دائما في حركة، يسعى مابين الممرات والطوابق حاملا الأوراق من ادارة الى أخرى، أو خارجا الى الطريق ليشتري من المطعم القريب بعض شطائر الجبن والبيض أو الفول والطعمية، رغم انه متفرغ لخدمة مكتبي الا انه يفتح الباب على مهل وملامحه تضيئها ابتسامته التي لا تغرب أبدا، ابتسامة مركزها عيناه وليس شفتيه، يقول بهدوء انه يستأذن لأن فلاناً طلب منه احضار طعام، أو شئ ما من النقابة، أجيبه، أطلب منه الا يتأخر، اتطلع اليه احيانا، اسأل نفسي، ترى كيف يراني، خاصة لحظات ارهاقي وتجهمي؟ لا أذكر الآن ظروف التحاقه بالمؤسسة، سنوات طويلة مضت، ورغم طول المدة الا أنه بين الحين والحين يدخل الغرفة على مهل قرب انصرافي عند العصر. أو ماقبل المغيب، يقف على مسافة معينة منفرج الابتسامة، خجول التطلع، يطلب مني أن أتحدث ـ اذا كان ذلك في الامكان ـ الى المدير حتى يتم تثبيته، أهز رأسي، أو انطق لفظا أو لفظين مطمئنا له، أو مجيبا بحكم العادة، أعرف أن قرارا ساريا بوقف التعيينات، قرار غير محدد المدة، بل ثمة رغبة أو اتجاه لدى الادارة للتخلص من الزائدين عن الحاجة، ماأخشاه أن يتم ذلك، نفاجأ به يوما فالقرارات تصدر فجأة، مباغتة، حتى أعضاء مجلس الادارة يتجهون الى اجتماعهم الشهري ولا يعلمون ماسوف يثار خارج جدول الأعمال، أخشى عليه، اعرف عدد أسرته، أولاده الأربعة وابنته المريضة بشلل الأطفال، واضطرار امرأته للعمل في بعض البيوت، ماذا سيكون مصيره لو ان قرارا مفاجئا صدر كهذا، لا أنطق مايقلقني، بل ان ملامحي تظل مصمتة، أحيد عن مواجهة عينيه قائلا: ربنا يسهل يامحمد.. لا أطلبه الا ألقاه أمامي، لا استخدم الجرس الكهربائي المثبت الى جواري، بل انني لم اضغطه قط، أنطق اسمه بصوت مرتفع، مرة واحدة فقط. لا أدري كيف يصل الى سمعه، لحيظات تفصل مابين نطقي وظهوره عند الباب، يخاطبني دائما بابتسامته تلك، ينتظر ماأرغب قوله: «صباح الخير» لم أشعر بفتح الباب أو عبوره الى داخل الغرفة، اتجه بسرعة الى جهاز التلفزيون الموضوع في مواجهتي، كان مكشوفا، والغطاء الشفاف الى جواره، تساءل بحيرة: «من أزاح الغطاء؟». ثم تساءل: «لابد أن أعرف.. هل يدخل أحد الى الغرفة ليلا؟». ثم أجاب على نفسه: «لابد أنهم حراس الأمن.. لديهم مفتاح للطوارئ..». لمس ذقنه بيده، يعرف انني من النادر مشاهدتي للتلفزيون، بل لا أعرف لماذا وضعوه في الحجرة؟ يسوي بعض الأوراق فوق المنضدة المربعة، يلتفت الي.. «أطلب لك شاي؟» أشرت بيدي. «ليس الآن..» يخرج، يرن جرس الهاتف الداخلي، يقول عامل البدالة انه يعتذر لازعاجي لكن ثمة مكالمة من الخارج للساعي محمد يكرر أسفه لكن يبدو أن ثمة شيئا جرى. لا بأس.. لا بأس.. وصلني بالمتحدث.. أصغى الى صوت امرأة قدرت انها شابة، تتحدث من طريق عام، أصوات أبواب عربات، بمجرد نطقي، قالت انها تريد ابلاغ الساعي محمد الديب بوفاة شقيقه، الدفن بعد صلاة الظهر، قالت انه من الثواب ابلاغه. طلبت منها الانتظار لحظة. ماذا أفعل؟ كيف أتصرف؟ فوجئت به يقف وسط الحجرة. اختلط علي، هل خرج وعاد؟، مددت السماعة اليه، بدا خائفا، دهشا، اتسعت عيناه. «مكالمة لك». «لي أنا.. وهنا». نعم من البلدة.. كتمت النبأ، ضجيج الطريق واضح، جلي معك محمد ياست.. يده ترتجف، لم يحدث قط أن طلبه أحد، يشعر بحرج، لكن خشيته تطغى على خجله، لم أشأ أن أنطق بالنبأ المؤلم. حدت ببصري عنه، عندما سمعت حشرجة صوته التفت اليه. تبدل لون وجهه، تلتوي شفتاه بشدة، ينطق أنينا. نعم.. نعم.. تتدلى يده، تتأرجح السماعة، ألمس كتفه. شد حيلك.. البقاء لله وحده. يتراجع، يجلس إلى الأريكة، فوقها، لأول مرة أراه قاعدا، مستندا بظهره، ممسكا جبهته، ضياء عينيه ذهب، اختفى الألق الباسم. يتميع قوامه، كأنه هيكله العظمى انسحب من داخله، يردد: ما لنا غيره.. ورقنا كله عنده.. ورقنا عنده.. ورقنا عنده.. حلال مشاكلنا.