الوطن، نحن الوطن، وحيثما ذهبنا حملناه معنا في داخلنا، في أصواتنا وحركتنا، في امتداد النظرة، وسر الشهقة، وعشق الحرية، وحينما عبرت في السيارة صباح الأمس مدن الجنوب اللبناني من أقصاه إلى أقصاه، وجدت نفسي لصق الأسلاك الشائكة الفاصلة بين لبنان وفلسطين، شهق الوطن في داخلي حبا، وتبدت لي (إسرائيل) قبحا ودمارا ولعنة ضد الحياة. إنها لعنة الجغرافيا العربية في أكبر وأوضح إشكالاتها حدة وتأزما. شعور مختلف ينتابك وأنت تلامس رصيف شارع مزروع بأسلاك الكهرباء، يفصلك عن أرض النبوات والأنبياء، أرض المسرى والشهداء، الأرض التي تشهد سفك كرامتنا كل دقيقة، بينما نحن نقبل يد القاتل ونجاهر بجرأة لا مثيل لها ـ على الاقتراب منه تطبيعا وسلاما وتفاهما. جلت في مدن الجنوب كلها وضياعها وقراها وشوارعها الضيقة وتنفست هواء الجنوب المخلوط برائحة الأرض وأشجار الزيتون التي حرقتها (إسرائيل) أكثر من مرة في مواسم القطاف والجني لتحرق قلب المزارع الفقير المنتظر، رأيت شباب الجنوب وأطفاله وفتياته ونساءه الصامدات ورأيت الثكنات التي كانت (إسرائيلية) وقلت كما لم أقل من قبل.. هل كانت (إسرائيل) تحتل (كل) هذه الأرض الخضراء البهية الجميلة فعلا؟ وهل انسحبت منها هكذا بسهولة؟ على الضفة الأخرى للرصيف المكهرب تبدو (إسرائيل) فلسطين المباركة، يبدو وجه إسرائيل البشع المستوطنات التي تتباهى بها على الحدود، مزارع خضراء، مستوطنات راقية، أسطح منازل نظيفة، ورجال مستوطنات مدججون بالسلاح وبالحقد، وحينما يرتد نظرك إلى الأرض التي تسير عليها، هذه المدن التي تحررت بعد أكثر من 20 عاما من الاحتلال، ينتعش في داخلك احساس الجغرافيا التي تضعنا دائما في مأزقها اللعين، وتتركنا نتخبط في الخيبة والصراعات والخيانات والـ ...!! أكبر محن الجنوب ولبنان هي حقول الألغام، حيث أكثر من 30 ألف لغم يذهب ضحاياها أناس كثيرون كل يوم، وحيث يبدو موقف الامارات الرائع بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث تكفل بكامل نفقة مشروع ازالة الألغام من حقول الألغام التي زرعتها (إسرائيل) في الجنوب، والتي ترفض حتى هذه اللحظة تسليم الخرائط الخاصة بهذه الألغام. الامارات ولبنان توأمة للسلام، كثقافة إنسان عاشق للسلام.. عاشق حقيقي مجبول على حب الخير والبناء وزراعة الغد، أما (إسرائيل) فليست أكثر من صنم بنته دول الغرب ونصبته في قلب الجغرافيا كفزاعة لا أكثر لارهابنا وزعزعة أمننا واستلاب أيام أكثر من تقدمنا وتنميتنا.. واليوم تحتضن أمريكا هذه الفزاعة البشعة وتأمرنا بأن نعبد الصنم، وللأسف يحن بعضنا إلى ماضي الجاهلية كثيرا هذه الأيام، فيعبدون الصنم ليلا ويأكلونه تمرا في وضح النهار!! Aisha@albayan.co.ae