خلال العقد الأخير من القرن الماضي حدثت تطورات هامة على الساحة العربية، منها اجتياح جيش صدام حسين للكويت، مما أدى إلى مفاقمة التفكك في العلاقات العربية، وقلة التضامن بين عدد من الدول العربية، وعقد اتفاقات بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي اتفاقات لا تلبي المطالب المشروعة الدنيا للشعب الفلسطيني، واعتراف السلطة الفلسطينية بدولة اسرائيل واستعداد عدد من الدول العربية للاعتراف باسرائيل وتحمسها للتطبيع معها ووضع «مشروع الشرق الأوسط» الذي يقصد به أن يضعف حس الانتماء العربي وان يضعف التطلعات العربية، والذي يقصد به أيضا تسهيل سيطرة اسرائيل على بلدان المنطقة من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية. ومن تلك التطورات أيضا ازدياد قوة النفوذ الأمريكي في الدول العربية واعادة نشر قواتها في أراض عربية وازدياد نفود الشركات عبر الوطني والاقتصادي والمالي والسياسي في المنطقة العربية، واستنزاف الموارد الطبيعية والاقتصادية والمالية العربية واضعاف كثير من الدول العربية عسكريا واقتصاديا. هذه التطورات وغيرها عززت الاتجاهات التي تدعو، بحجة الليبرالية، إلى قبول «الشرق أوسطية» وإلى اندماج ـ التابع يقينا ـ في النظام الاقتصادي العالمي باسم العولمة على حساب وضع مشاريع انمائية تستلهم وتراعي الظروف الاقليمية العربية. وترافق مع هذه التطورات ازدياد قوة النزعة الاستهلاكية، وتفشي الافراط في النزعة الفردية الطفيلية وتفشي الفساد الخلقي ونزعة الربح المطلقة العنان، وقلة الالتفات إلى وضع المشاريع الانتاجية. وفي أعقاب ذلك كله غيّر بعض المثقفين مواقفهم الفكرية. ومن الأمثلة على هذه التغيرات تأكيد بعض المثقفين العرب على القول بالحاجة إلى الاندماج في «نظام الشرق الأوسط» وقبول العولمة دون الالتفات الكافي إلى النتائج السلبية المتمخضة عنها ودون الدعوة الوافية بالغرض إلى طرح أفكار ومشاريع لتفادي تلك النتائج. ولتحقيق الابداع الفكري ينبغي تحقيق الانفتاح الفكري. ويتوقف مدى انفتاح الفكر أو مدى انغلاقه على عوامل، منها طبيعة المحيط المباشر وغير المباشر الاجتماعي والثقافي ـ النفسي والسياسي وعلى طبيعة التنشئة المنزلية والمدرسية. ومما من شأنه أن يسهم في الحفاظ على الخصوصية القومية والثقافية معرفة الواقع الذي يجد الشعب نفسه فيه، وفي مجتمعات كثيرة، منها المجتمع العربي، تشيع عادة لا تساعد على التوصل إلى معرفة الواقع، وهي عادة اعطاء اجابات سريعة جاهزة على أسئلة تتطلب الاجابة المتأنية المتعمقة المدروسة. وفي هذه المجتمعات في أحيان كثيرة يعتبر المجيب رفض جوابه أو التحفظ عليه أو انتقاده رفضا أو انتقادا لصاحب الجواب نفسه واهانة له. صاحب الجواب هذا لا يترك مساحة أو حيزا بين نفسه وجوابه، بينما الحيز موجود من الناحية الموضوعية، أي ان رفض الجواب لا يعني رفض صاحب الجواب. وبالنظر إلى ان الحيز موجود يجب على صاحب الجواب ألا يعتبر رفض الجواب مساسا به واهانة له. وبالنظر إلى ان السبب في نشوء هذا الرفض هو التسرع باعطاء الاجابة ألم يكن من الحري بذلك الشخص أن يتريث في اعطاء الجواب تجنبا لاعطاء جواب متسرع يؤدي بالآخرين إلى رفضه أو انتقاده؟ ولعادة اعطاء اجابة جاهزة سريعة غير متروية جانب سلبي آخر. ويتمثل هذا الجانب في ان اصدار شخص لتلك التجربة التي يظنها صحيحة يشعره بالاستغناء عن اعطاء اجابة أخرى صحيحة، وبالتالي لا يبحث عن اجابة أخرى. وهذه الاجابة الأولى تشغل في عقل المجيب حيزا من الصعب على جواب آخر صحيح أو على رأي آخر أن يشغله بسبب شغل الاجابة الأولى لذلك الحيز. وفي حالات كثيرة تكون الاجابات مزيجا من عناصر موضوعية وعناصر ذاتية، ومن بيانات صحيحة وبيانات خاطئة. وبسبب انتشار ثقافة طرح الاجابات المتسرعة والاجابات التي هي مزيج من عناصر صحيحة وخاطئة، وعن طريق تبني تلك الاجابات باعتبارها صحيحة وعدم ادراك وجود مسافة بين الاجابة وصاحبها، تنشب أحيانا معارك كلامية لا تتوخى التوصل إلى الحقيقة ولكنها تسعى إلى دفاع المرء عن فكر لمجرد انه فكرة. في هذه الثقافة يصبح صاحب الاجابات أسيرا لاجابات كان تسرعه باصدارها سببا لهذا الأسر، ويصبح مشاركا في معركة ما كان له أن يشارك فيها لو توخى التريث في الاجابة. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية _ الولايات المتحدة