الأخطاء الطباعية تراث قديم.. وربما عريق عتيد عاش وازدهر ـ للأسف ـ مع تاريخ الطباعة العربية.. وبالمناسبة فقد كنت ـ كاتب السطور ـ واهما أشد الوهم حين تصورت ، أن الجنرال بونابرت له الفضل في إدخال الطباعة الحديثة ـ على طريقة الخواجة جوتنبرج إلى منطقتنا العربية العزيزة وذلك حين حمل معه في تجربته الإمبريالية إياها إلى مصر مطبعة أصدر على متن حروفها جريدة ـ لعلها كانت الأولى بدورها وكان اسمها ـ على ما تعي ذاكراتنا (التنبيه) ولا ندري من ذلك اللوزعي الذي اختار عنوان التنبيه لأول جريدة استعمارية تصدر في دنيا العرب.. تنبيه إلى ماذا وتوعية وتنوير حول ماذا ؟ ومع ذلك فلعل الأمر كان خيرا ولعل الجريدة البونابرتية عملت من حيث لا تدري على (تنبيه) أهل المحروسة فكان أن اشعلوا ثورتين ضد الفرنسيين في أقل من 3 سنوات وكان أن ضيقوا الأمور على القائد الأول نابليون فعاد إلى بلاده محبطا.. وكان أن ضيقوا الأنفاس على القائد الثاني كليبر فأجهزوا على حياته مغتالا في إحدى مشايات حديقة الأزبكية. أقول كنت واهما حين تصورت أن الريادة كانت مقصورة لمطبعة نابليون.. بل ولم يبدد هذا الوهم ما عرفته لاحقا من أن عددا من آباء الكنيسة في منطقة الشام كانوا قد سبقوا إلى استحضار مطبعة عربية سبقت بالطبع الماكينة التي جاءت مع حملة نابليون. لكن يبدو أن قصة الطباعة العربية أطول وأعمق.. فها نحن نعرف مؤخرا أن المسألة ترجع إلى القرن السادس عشر وبالتحديد إلى عام 1514 للميلاد حين أمر بابا الفاتيكان أيامها واسمه جوليوس الثاني بإنشاء مطبعة عربية عنيت بنشر أول كتاب مطبوع بحروف الضاد وكان كتابا في الصلوات المسيحية.. وتقول باحثة رصينة من مصر هي الدكتورة الهام ذهني أن الطباعة العربية انتقلت إلى مدينة جنوة الإيطالية ( وعادت جنوة كما لعلك تذكر إلى بؤرة الضوء مع إنعقاد قمة الأغنياء الثماني وسط طوفان من المظاهرات والاحتجاجات)، وفي عام 1516 نشرت جنوة أسفارا من الكتاب المقدس بأربع لغات منها العربية إلى أن أقدمت البندقية ـ فينيسيا على إصدار أول طبعة للقرآن الكريم عام 1530. وبعدها تولت العاصمة روما بجلالة قدرها طباعة عدد من الكتب العربية التراثية كان على رأسها (نزهة المشتاق في ذكر الامصار والآفاق) للعم الكبير الأدريسي الذي أصدروه عام 1592 ولعلهم اهتموا بالادريسي بالذات بحكم الصلات التي ربطته بجزيرة صقلية ومليكها روجر وأهلها ولم تكن المافيا قد وجدت طريقها بعد إلى الجزيرة المتوسطية المذكورة اعلاه. هذا التاريخ الطويل كما رأيت للطباعة العربية كان لابد وأن يحفل بميراث من الأخطاء في النشر.. بعضها كان بسيطا. وبعضها كان كبيسا وبعضها كان طريفا والبعض الآخر كان أقرب إلى الكارثة أو المأساة وكم كان طريفا أن يصدر حتى في جيلنا كتاب من بضع عشرة صفحة.. ملزمة أو ملزمتان.. ثم يحرص ناشره الهمام على أن يشفع صفحاته الضنينة بقائمة أشبه بإستمارة جرد العهدة تحمل العنوان الشهير: (استدراك) وفيه رسم الناشر وهو الأغلب صاحب المطبعة جدولا بالأخطاء الطباعية التي شابت صفحات النص ـ القليلة حتى لا ننسى ـ فيقدم اللفظة المغلوطة في خانة وينشر اللفظة الصحيحة في خانة تجاورها. ومع هذا كله.. لا يخلو الأمر بعد الجدول المرسوم وخانات التصويت من عبارة كانت تقليدية يكرر فيها طابع الكتاب أو ناشره عبارة تقول: هذا، وبالنص هنات أخرى لا تغيب عن فطنة القارئ ـ اللبيب. وكأننا يا بدر. لا رحنا. ولا جينا. ولا نقول ان الأخطاء المطبعية قد أصبحت حديثا من الماضي. مازالت صحفنا تحفل بها رغم دخولنا بحمده وتوفيقه عصر الكمبيوتر والبريد الالكتروني وان كان يخيل إلينا أننا كعادتنا استطعنا أن نكيف الحاسوب وأن نطوع الإميل فنضفي على كل منهما طابعنا اليعربي الأصيل. لقد ظل الفقير كاتب السطور يتردد على مكتب إحدى شركات طيراننا في عاصمة عربية لزوم الحجز والترحال.. والمفروض أن المسافر لا يتردد بمعنى يكرر الزيارة ويعاود المشاهدة فلا وقت لمسافر مشغول مثلنا كي يتملى في سحن الموظفين ـ بالأدق المضيفات ـ حتى ولو كن أرضيات يلزمن مكاتب الحجز ولا يحلقن في أجواء الفضاء. لكن ما شاء الله كان.. كلما زرنا المكتب استقبلونا بابتسامات ترحيب.. مهنية كما قد نصفها.وبعد الابتسامة تلوح الأنامل الناعمة متقنة الطلاء كأنما لتطرد شبحا غير مرئي حين يقولون: مع الأسف الكمبيوتر واقع.. والوصف لا يأتي واقع الأحوال.. بل من الوقوع بمعنى السقوط والعطالة والعجز عن التنفيذ. وكم بلغ بنا الضغط والغيظ مبلغه إلى حد أن فكرنا في إرسال برقية إلى السادة بيل جيتس وعصبته نتساءل فيها: هل اخترعتم الحاسوب لكي يشتغل عندكم.. ويقع عندنا.. أم ماذا؟ ومن عجب أن تقرأ صحيفة وقورة لها تاريخ طويل مثل نيويورك تايمز فإذا بك تطالع نصف الصفحة الثانية من كل عدد صادر وقد تصدره عنوان يقول (تصويبات) .. (تصحيحات). وتحت العنوان تعتذر الجريدة لقارئيها عن أخطاء إما طباعية وقعت فيها أو معلوماتية تورطت في نشرها أو معرفية آثرت أن تضعها مع إدراك الحقيقة في ميزانها الصحيح. وليس لك أن تتصور أن الصحيفة الأمريكية ولا أي صحيفة على شاكلتها تصدر في هذا عن منطق الايثار النبيل ولا عن منطق الاخلاق الكريمة على أساس انما الأمم الاخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت اخلاقهم ذهبوا كما قال شوقي في يوم من الايام. أصل الحكاية أن الجريدة تحترم قارئها وتخشى من غائلة منافسيها وتخاف على مصداقيتها ـ المهنية قبل المصداقية الاخلاقية ـ وتحافظ على نزاهتها الحرفية ـ من الحرفة وليس من الحرف كما لا يخفي عليك ـ ثم إنها تخشى أن يصدر بحقها تكذيب لما نشرت أو ترفع ضدها قضية من طرف أضير أو لحقت بسمعته شائبة من تشهير، وبديهي أن المحامين الامريكيين شمروا السواعد دائما لرفع هذا اللون من القضايا.. أولا لأنه يجلب الشهرة وثانيا لأنه يأتي بطائل التعويضات حيث ينوبهم من الحب جانب كما يقول المثل الذائع.. يستوي في ذلك إذا جاءت مبالغ هذا (الحب) من قرارات المحاكم أو هطلت بفضل تسوية خارج المحكمة ، كما يقول التعبير القانوني الأمريكي وهو نوع من التصالح والتفاهم الذي يتم بين الاطراف في غرفات مغلقة ومن تحت لتحت، وما دام هناك طرف يدفع وطرف يسكت ومشكلة يتم فضها.. فلا بأس من هذا النوع من التسوية.. الدكاكيني كما يقول المصريون. نكتب هذه الكلمات وأمامنا صفحة الحوادث في زميلة قاهرية كبرى، محرر الحادثة يصف اعتداء بالضرب من مرؤوس على رئيسه ـ طبعا لم ينس المحرر المندوب أن ينشر مع الحادثة صور السيد العقيد مأمور الشرطة والسيد النقيب الذي انتقل إلى مكان الحادث والسيد وكيل النيابة المحقق. كل ذلك في حادثة ضرب لا هنا ولا هناك. والمحرر معذور فكلهم مصادر واستقاء المعلومات في صحافتنا العربية أصبح من اشق الأمور. ومجتمعنا مازال يعتبر أن كل محتويات الارشيف التي تلتهمها الفئران هي من أسرار الدولة العليا. وكل مكاتبة يطلب فيها الأخ الفراش اجازة عارضة حرز لا يجوز الافضاء به ولا الافصاح عنه.. خاصة لاعضاء مهنة فضولية مسحوبة من لسانها اسمها مهنة الصحافة واكل عيش الصحفيين. لا عجب أن يلجأ المندوب إلى الاشادة بالمصادر النيابية والقضائية والبوليسية ولا بأس من مجاملتهم بنشر صورهم في الموضوعات وصور أبنائهم وبناتهم وذوي قرباهم وربما جيرانهم في اعياد الميلاد ومناسبات الختان ونيل الدبلومات. وربما في مواسم الاجازات بين الحل والترحل، تلك تقاليد موروثة بدورها عدة أيام صحافة الربع أو الثلث الأول من القرن العشرين وقد قيض الله لها مؤرخا كبيرا يتمتع بذوق أدبي رفيع هو الدكتور يونان لبيب رزق استاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس.. حيث ينشر كل اسبوع فصلا ممتعا بعنوان (ديوان الحياة العصرية) مصدره صحيفة الاهرام القاهرية وفيه تتردد دائما عبارة مكاتبنا ـ بمعنى مندوب الجريدة ـ في ديروط أو دكرنس أو كفر البلاص يوافي جريدته بإنجازات رجال الضبط والربط في كشف سرقة نعجة أو بقرة واعادتها بسلامة المولى إلى ذويها. ويختتم مكاتبنا بهذه العبارة (فنثني على همة مأمور مركزنا اليوزباشي (النقيب) فلان أفندي). الخطأ المطبعي الذي حفلت به الحادثة المنشورة في الجريدة القاهرية كان محوره نقطة على حرف ليس إلا.. قال الخبر (ودخل الموظف المتهم مكتب رئيس فلان.. وأغلق الباب من الداخل.. ثم تقدم منه خطوات و.. انهال عليه.. طربا) (!). وهكذا اختفت الضاد ونقطتها العتيدة.. وحلت محلها الطاء لتثير اشجاننا تقلب بين جوانحنا صنوف المواجع إزاء الأفاعيل التي يقترفها بحقنا جمهرة مطربينا ومطرباتنا في هذا الزمان العجيب فأي خطأ طباعي أبلغ دلالة على حالة الطرب والغناء في زماننا.. حين ينهال المغني.. على آذان المستمعين وأفئدتهم بوابل من الضرب أفلا يحق لنا ونحن نواصل هذا الحديث أن نحيل إلى قولة العم بيرم التونسي مناشدا أو متوسلا: ـ يا أهل المغني.. دماغنا وجعنا. دقيقة سكوت.. لله.