يتحدث الانثروبولوجي رائد البنيوية ليفي شتراوس عن ثنائية متناقضة تتأسس عليها حياتنا وأفكارنا وأفعالنا: السماء والارض، التراب والماء، الظلمة والضوء، اليمين واليسار، الشمال والجنوب، الذكر والانثى. قد لا تكون تلك الاقطاب في حالة عداء واعتداء، ولكن ثنائية «نحن» و«هم» لا تخلو من عدوانية متوارثة. حينما تدرك القبيلة وجود القبيلة الاخرى، فإن الاثنتين تدخلان في صراع حول الغذاء والحدود والسيطرة. وهذا الصراع امر لا مندوحة عنه ولا فرار. واذا ما كان فرويد يتحدث عن «رغبة الموت» بمعنى تدمير النفس، فقد يكون في حصافة الاجتهاد ان نتحدث عن «رغبة الموت» بمعنى المحاربة والانتصار وتدمير، ليس النفس، بل الآخر. وربما يكون ذلك هو المعنى الكامن وراء مقولة الشاعر الحديث من قبل ان تقتلني سأقتلك! تلك مقدمة تصلح للقول بأن ثنائية «نحن» و«هم» و«رغبة الحياة» احسن ما يمكن ان يؤسس الاطار لفهم وتحليل موقف «روبرت كيري» السيناتور السابق رئيس احدى جامعات مدينة نيويورك حين اصدر امره باطلاق النار على نسوة واطفال احدى قرى «فيتنام» انطلاقا من مركزه كقائد لوحدة امريكية مقاتلة. انه يدلي باعترافاته الآن بعد مرور اثنين وثلاثين عاما. وفي اعترافاته يقول انه لا يجد اي مبرر اخلاقي لفعلته، وانه لم يكن يقود وحدته برغبة قتل الابرياء والى جانب ذاك يقول احد جنود وحدته ان «كيري كان وراء الطعن بالسكين لخمسة من القرويين، رجل مسن، وزوجته وابنتين وصبي. ويقول ايضا بأن كيري قد ساعده على قطع حنجرة الرجل المسن!». ترى انعود لمقولة الانسان ذئب الانسان، ام ان الخوف ورغبة الحياة قد تدفعاك الى ارتكاب المجازر في غير رقة ضمير ولا رجفة كف! واذا كان ثمة ندم فانه يأتي حيث لا ينفع ندم.. وهل تجدي صحوة ضمير بعد اثنين وثلاثين عاما على اقتراف الذنب اين كان ضمير كيري حين توشح صدره بالنجمة البرونزية اعترافا وزهوا بتلك البطولة واين كان ذلك الضمير حين ازدهى الصدر بوسام الشرف مكافأة على تلك البطولة ايضا! ألم يدر في ذهنه التساؤل عن المبرر الاخلاقي للموت او قتل الآخرين في حرب يخوضها اطاعة لأوامر؟ قد يكون جديرا بنا ان نرجع مرة اخرى الى الثنائية ومحور الثنائية هذه المرة «المدني والعسكري» لقد ادلى «كيري» باعترافاته حين خلع الثوب العسكري وعاد «مدنيا» يعيش مع الناس ويمشي في الاسواق ويختلط مع العامل في مصنعه، والطالب في مدرسته والموظف في مكتبه.. بعد ان ترك التدريب وساحة القتال والالتزام بالاوامر والنواهي! لا ينعزل العسكري عن المجتمع المدني ان حرفته تدعو الى ذلك. وهو بعزلته قد لا يجسر على التفكير بأنه يخوض حربا لا تخضع لنواميس الخلق الرفيع. انه لا يستطيع الاقتراب ممن يصنفون بـ «هم» فيراهم بشرا لا يختلفون عمن يصنفون بـ «نحن» في اعتراك العيش ومداعبة الطفل، ومعاناة المرضى، والفرح بما يفرح، والبكاء عند اشتداد النوائب! ولا يعني هذا ان المدني يخلو تماما من نزعة القتل فثمة كثير من المدنيين اصدروا اوامر بالقتل واعلان الحرب، وقصف المدن وذبح الابرياء. قد يتحول المدني الى عسكري محترف لا بارتدائه الثوب العسكري بل بممارسته الشأن العسكري وتلبسه روح المقاتلة بما فيها من شراسة واندفاع قد تدفعان الى اقتراف الجرائم. ان الثنائية لا تعني بالضرورة التباعد ونظرة الاعتلاء او الشك ،وتغيير طبيعة حرفة القتل مرتبط بتقليص حدة التناقص، ومحاولات التقارب بين العسكري والمدني. ـ خبير اعلام وتواصل