إن كل من يرصد أجهزة الاعلام العالمية، من صحف واذاعة وتلفاز، تصيبه الدهشة، ويعقد لسانه الاستغراب، ويلفه الحزن والأسى، لانه كثيرا ما يجد الأمور معكوسة، والوقائع ممسوخة، والأحداث مشوهة. بل ان دانيها أصبح عاليها، والمقتول بات ظالما للقاتل، والمجرم أضحى بحاجة إلى انصاف من المجتمع الدولي. إنها مهزلة من نوع غريب. فالذين يردون عن أنفسهم غائلة العدوان، ويقاومون الاحتلال، ويكافحون لنيل الاستقلال وحق تقرير المصير، أصبحوا متهمين بممارسة العنف والارهاب. وإذا كنا لا نستطيع أن ننحي باللائمة على الغرباء والأعداء، فإن عتبنا ينصب على تقصير أجهزة اعلامنا العربية التي لم تستطع أن تقدم للعالم صورة واضحة كل الوضوح حول حقيقة ما يجري في الأراضي المحتلة. ونحن، وإن كنا لا ننكر اخلاص هذه الأجهزة وحماسها، فإننا نأخذ عليها تركيزها جلّ طاقاتها للاستهلاك الداخلي، ولاقناع العرب أنفسهم، بأنهم هم المعتدى عليهم وان اسرائيل هي المعتدية، مع ان هذه الرسالة ينبغي توجيهها إلى العالم الخارجي، وليس إلى العرب. ولم تم هذا بطريقة صحيحة وفعالة، لوجدنا مواقف الدول الأخرى مختلفة عما هي عليه الآن. وإذا قلبنا صفحات التاريخ وأحداث الأيام الغابرة، لطالعنا في بطونها حكايات مشرفة حول شعوب قاومت الاحتلال الأجنبي، فكانت تحظى دائما بالتقدير، وتفوز بالتكريم وتنال أوسمة البطولة، من قبل العالم كله، ولا سيما الشعوب الحرة، فالدفاع ضد الغزاة حق مشروع، لا يملك أي إنسان ازاءه سوى التبجيل والاحترام، بل هو واجب لا يجوز التقاعس عنه. ولكن المفارقة المضحكة المبكية، هي ان دفاع الفلسطينيين عن حقوقهم وأراضيهم وتصديهم للعدوان الخارجي والغزو الاستيطاني، أصبحا يوصفان من قبيل كثير من الدول، بأنه عنف وارهاب. وللأسف البالغ، فقد تحولت مشكلة الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية، في الفترة الأخيرة إلى ما يسمونه بالتنسيق الأمني. إن الدنيا كلها تعرف ان اسرائيل تحتل أراضي شاسعة من الضفة الغربية. وعلى الرغم من كل المفاوضات المريرة المكثفة التي جرت على مدى سنوات طويلة، فإنها لم تنسحب إلا بصورة شكلية ومخادعة، فنقلت قواتها من مكان إلى آخر، وحركت عساكرها من مركز إلى مركز، تاركة الأراضي الفلسطينية مقطعة الأوصال، وتحت رحمتها من الناحية الأمنية. فهي تستطيع أن تدخل إلى مكان منها، في أي وقت، كما يمكنها أن تمنع المسئولين الفلسطينيين من التنقل بين أية منطقة وأخرى. وازاء هذا الوضع الذي لا يحتمل، ماذا يتوجب على الفلسطينيين أن يفعلوا؟.. إذا كان عليهم أن يفاوضوا، فقد فعلوا هذا لفترة مديدة، وإذا قاوموا العدوان والاحتلال، اتهموا بممارسة العنف والارهاب، فهل المطلوب منهم أن يسكتوا ويصمتوا، ويتركوا الجنود الاسرائيليين يتجولون أمام أنظارهم، والمستوطنون يبتلعون أراضيهم؟ لقد بات على العالم اليوم، أن يتوقف ويتساءل لماذا ينتحر بعض الفلسطينيين، ويفجرون أنفسهم مضحين بأرواحهم، كما حدث في تل أبيب، في أواخر شهر مايو الماضي؟ هل يفعلون هذا كهواية، أم بقصد التسلية وتزجية أوقات الفراغ، أم بدافع الحقد الذي خلفه الاحتلال الاسرائيلي لأراضيهم؟ ماذا نجد الأمريكيين والأوروبيين وحتى الروس، يطالبون الفلسطينيين بوقف العنف، ولماذا كثفوا عليهم الضغوط، حتى اضطروهم إلى الاعلان عن وقف اطلاق النار وتخفيض وتيرة كفاحهم المسلح؟ بالنسبة للدول الكبرى، فان مصالحها هي التي تملي عليها مواقفها من الأحداث. أما بخصوص الرأي العام العالمي، فان مواقفه تتأثر بالتوجيه الاعلامي. وهنا نصل إلى بيت القصيد ومربط الفرس، ولا بد لنا أن نستنتج بأن الاعلام العربي مقصر، ليس في صدق نواياه، وإنما في الطرق الخاطئة التي يتبعها. فهو يبدو في بعض الأحيان كمن يصرخ في الوديان، أو يغني في الحمامات لان صوته لا يصل إلا لأبناء الضاد، تقريبا، فماذا أفدنا من اثارة كل ذلك الضجيج العاطفي المحلي المحصور ضمن بوتقة الرأي العام العربي؟ النتيجة كما أسلفنا هي أن دولا عديدة تريد من الفلسطينيين، ان يتوقفوا عن ممارسة العنف، دون ربط ذلك بنيل حقوقهم الكاملة. وهذا الوضع يقتضي بالطبع مراجعة توجهات الاعلام العربي واعادة النظر في نشاطاته. ونعتقد، ان عليه، حتى يحقق أهدافه، أن يعمل على ايصال رسالته الاعلامية الى المتلقين الأجانب، بالدرجة الأولى، لان هؤلاء، قبل المتلقين العرب، هم الذين ينبغي اقناعهم بشرعية النضال الفلسطيني وقداسة انتفاضة الأقصى. أما الرسالة الاعلامية نفسها، فيجب أن تكون واضحة وصريحة وبليغة في التعبير عن مضمونها، وان تبين بجلاء ودون أي لبس أو غموض ان الاستشهاد الفلسطيني ليس غاية بحد ذاته، ولا هدفا مرغوبا فيه، بل انه وسيلة مفروضة للوصول إلى سلام عادل ومنصف. وهناك أيضا رسالة اعلامية أخرى ينبغي توجيهها إلى اسرائيل نفسها، وهي ان الكفاح الفلسطيني المسلح، حتى لو خفت حدته، أو بدا وكأنه توقف لحين من الزمن، فان هذا الكفاح يستحيل أن تخمد جذوته وتنطفئ ناره، إلا بعودة الحقوق العربية، وفقا للمرجعيات الدولية المعترف بها، لا طبقا لما يتصوره الحاخامات وزعماء المستوطنين في اسرائيل. ـ كاتب سوري