ربما تكون المرة الأولى في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية الحديث التي تخلو فيها مناصب سفراء الولايات المتحدة في مصر والأردن ولبنان وسوريا والسعودية وقطر والمغرب في آن واحد، ما خلق فراغا دبلوماسيا أمريكيا كبيرا ربما يحدث للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط منذ مدة طويلة. لكن الأمر لم يتوقف عند حد غياب السفراء، بل ان الجهات المسئولة في وزارة الخارجية الأمريكية اتخذت عدة قرارات تتعلق بتحولات داخل الادارة، منها قرار بالغاء منصب المبعوث الخاص بالشرق الأوسط وهو المنصب الذي كان يشغله طوال السنوات الماضية دينيس روس، وتم تحويل مهام عمله إلى إدارة شئون الشرق الأوسط التي تعاني في نفس الوقت من نقص كبير في عدد العاملين، كما تم اتخاذ قرار آخر بانهاء خدمة كل مساعدي ونواب الوزير، إلى جانب خمسة من أصل ستة مسئولين عن مختلف الجوانب المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط. وقد تزامنت هذه التطورات مع بوادر أزمة مصرية أمريكية حول الاعتراض المصري على السياسات الأمريكية تجاه ما يحدث في فلسطين، والتأييد الأمريكي المطلق لما يقوم به شارون من تدمير عسكري وسياسي لكل الاتفاقات التي وقعت بين دول المنطقة، كما رفضت مصر مشروع العقوبات الذكية الذي طرحته بريطانيا بمساندة أمريكية في مجلس الأمن، وقد علق الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان على ما يدور من أحداث في مقالة نشرته «الشرق الأوسط» بالتزامن مع «نيويورك تايمز» في 21 يوليو الجاري ان الوضع ينذر بعودة شبح الحروب إلى المنطقة والعودة إلى مرحلة ما قبل السادات. ويبدو ان التخبط داخل الادارة الأمريكية لا يقف عند حد الوظائف التنفيذية أو المساعدة، فوزير الخارجية الأمريكي كولن باول عبّر في حوار مطول مع صحيفة «يو اس ايه توداي» الأمريكية نشرته في 20 يوليو عن انه يواجه صعوبات كبيرة في منصبه لا سيما وان المستشارين حول الرئيس يلعبون دورا كبيرا في توجيه مسار الأحداث. ولم يتمكن وزير الخارجية حتى الآن رغم مرور ستة أشهر على تقلده منصبه من احراز انتصارات دبلوماسية لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، فالاسرائيليون يحرقون الأخضر واليابس ويشنون حربا حقيقية ضد الفلسطينيين دون أن تتمكن دبلوماسية باول من القيام بأي تحرك جدي لوقف العدوان الاسرائيلي، مما جعل فريدمان يقول في مقاله الذي سبق الاشارة إليه «إن فريق الرئيس الحالي جورج بوش في حاجة إلى أن يدرك جيدا ان الشرق الأوسط لا يحتاج بالضرورة ولا يريد حتى مجرد سلام، إنه بحاجة إلى عملية سلام». ولم تقف اخفاقات ادارة باول عند حد ما يحدث على الساحة الفلسطينية، وإنما أخفق بشكل كبير في مبادرته الكبرى لصياغة ما يسمى «بالعقوبات الذكية» ضد العراق، حيث وقفت روسيا في طريق المبادرة. ومع وجود اخفاقات وتخبط أمريكي في أماكن أخرى من العالم فقد شن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي «توم داشل» هجوما شديدا ووجه انتقادات حادة إلى إدارة الرئيس بوش وسياسته الخارجية. وقال داشل في حوار نشرته في 18 يوليو صحيفة «يو اس ايه توداي» «انه يشعر بالانزعاج تجاه العلاقة الهشة التي باتت أكثر وضوحا بين الولايات المتحدة والدول الحليفة لها». وأكد داشل على ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة تقودها إلى عزلة دولية وان «قيادة الولايات المتحدة للعالم في تراجع مستمر». وقد دفعت انتقادات داشل الحادة الرئيس بوش الذي كان يحضر قمة الدول الثماني في جنوة الايطالية إلى الرد بغضب على هذه الانتقادات نافيا أي تراجع في السياسة. لكن تصريحات بوش لا تعكس بالفعل الواقع الأمريكي الذي يؤكد كثير من المراقبين الأمريكيين عكسه لا سيما في سياسة أمريكا تجاه الشرق الأوسط، ومنهم جيفري وينكروفت في مقال نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» متزامنة مع «نيويورك تايمز» في 22 يوليو أختم به جاء فيه «ان النفوذ الأمريكي يضعف في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ربما يكون ذلك مسألة وقت، لقد حاولت واشنطن القيام بأعمال الحواة: تؤيد اسرائيل عن قرب بينما تبذل كل ما في وسعها لمصادقة الدول العربية والقيام بدور الوسيط الأمين، وليس من الغريب ان العرب يرفضون أخيرا فكرة ان «أمريكا هي وسيط عادل بين الطرفين». هذا هو رأي الأمريكيين أنفسهم فأين الموقف العربي الواضح من السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط؟ ـ كاتب واعلامي مصري