الأمريكان يعملون في وضح النهار ليقولوا للعالم: نحن الأفضل والأقوى وعلى الجميع ان يسير خلفنا، وان يقلدنا في كل شيء، وقد حدث فعلاً ان الكرة الأرضية كلها صارت تتنفس النمط الأمريكي مأكلاً وملبساً وثقافة عامة. أما اليهود فمنذ قرون سحيقة واصرارهم لم يتغير على انهم «شعب الله المختار» وهم يعملون في الليل أكثر من النهار على تكريس هذا المعتقد، حتى استطاعوا ان يفرضوه ديانة رابعة يدين بها الجميع سراً وينكرونها علانية، وبين السر والعلانية يرتفع نجم بني صهيون عالمياً. شعوب أوروبا تحاول استعادة نفسها بشيء من التعقل البارد، فقد عاشت أطواراً من التألق لم يسبقها فيه أحد، ولعبت بالدنيا وبأقدار البشرية، وجنت أرباحاً لم ينتبه لها أحد، هذه (الأرباح) هي التي أوصلتها لحالة التقدم والانفجار الصناعي الذي تتمتع به حالياً. شعوب آسيا، طرحت على نفسها وبعد أحقاب من الاستعمار و المصادرة والتجهيل، هذا السؤال: هل يستطيع الآسيويون ان يفكروا؟ وكان السؤال نوعاً من المواجهة والتحدي للحيوية الثقافية والرغبة والقدرة على الاستمرار والمنافسة، وقد جندت الملايين للبحث العلمي والتطوير للاجابة عن السؤال. نحن بدورنا نتساءل أيضاً: هل يستطيع العرب أن يفكروا؟ دون ان نقصد القدرات الذهنية الفردية، بل الحيوية الثقافية لشعوب مرت عبر مراحل وأجيال وتجارب آلت إلى نتيجة لا تسر أحداً على الاطلاق، ومع ذلك فإننا نبقى في دائرة السؤال ذاته ونفرع منه سؤالاً آخر: فيم يفكر العرب؟ على مستوى الاجتهادات الشخصية والمبادرات العلمية فإن الكل يشرح الخلل، ويشير إلى أسباب الضعف والانحطاط، وفي هذا لا يسلم ميدان من تشوه أو دمار، وكأن قنبلة هيروشيما قد ألقيت على بنياننا الحضاري نحن العرب وليس على اليابانيين مطلقاً. وبرغم ان الجميع ـ كما قلت ـ يتحدث، وبالمقابل فالجميع يسمع، لكن أحداً من هؤلاء الجميع لا يتحرك، مع ان التحديات أكبر من ان يتم تجاهلها. ان هناك امكانية مادية، وعقولاً بشرية، وهناك زمن نستطيع ان نحسمه، ونخطط فيه وله، وهناك أولاً وأخيراً رغبة وإيمان بضرورة التصدي والخلاص، فماذا ينقصنا؟ أخشى أن أقول ان هناك من داخلنا أكثر مما هو من خارجنا من يهمه ان نراوح في مكاننا، ففي ذلك مكاسب وأرباح لجهات عديدة، جميعنا يعلمها. في اليابان أجريت اختبارات على طلاب المدارس لقياس الوعي الوطني لديهم، وكان السؤال حول القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما كالتالي: متى ألقيت القنبلة باليوم والتاريخ والساعة والدقيقة؟ وقد فشل عدد كبير في الإجابة، مما استنفر وزارة التعليم لتغيير مناهج التاريخ والتربية الوطنية هناك! يا ترى لو قامت وزارة التربية والتعليم لدينا بإجراء اختبارات مماثلة لقياس الوعي الوطني لدى طلابنا حول تفاصيل تاريخنا وموروثنا الشعبي و.. إلخ، فأي نتيجة ستحصل عليها الوزارة؟ وكيف ستتصرف؟ استبعد تماماً ردة فعل مشابهة لتلك التي حدثت لمسئولي وزارة التعليم اليابانية!