على أنقاض مسيرة التسوية تسير القوى المتصارعة في الشرق الأوسط دون خطة واضحة، حيث كل الاحتمالات واردة وكل المخاطر قابلة للتحقيق على أرض الواقع. واذا كان الخطاب الاعلامي لكل من الفريقين يحاول أن يحمل الطرف الآخر (منفردا) المسئولية عن وصول مسيرة التسوية الى طريق مسدود، فان التحليل الهادئ البعيد عن الاستخدام السياسي قصير النظر يؤدي الى نتائج شديدة الأهمية، بل قد يكف عن عوامل سيكون لها تأثير حاسم في مستقبل هذه المسيرة ومحاولات احيائها. فمسيرة التسوية التي بدأت بزيارة السادات للكيان الصهيوني بدأت بالقفز على المرجعية الدولية واستبدلت بها مفاوضات مباشرة برعاية دولة واحدة تتخذ موقف الانحياز التام لأحد طرفي الصراع (الولايات المتحدة الأمريكية) وهي نادرا ما لعبت دور الراعي، وكثيرا مالعبت دور الشريك الكامل. وقد كانت المرجعية الدولية تعني التفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو ما كان يعني وضع قراراتها المتصلة بالصراع في موضع المرجعية الملزمة للطرفين. وجاء مؤتمر مدريد (1991) في ظرف دولي غير موات تمثل في انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو ما عزز انفراد الولايات المتحدة برعاية المفاوضات، وفي ظل وضع عربي شديد التردي خلفه الغزو العراقي للكويت وما ترتب عليه من نتائج. وفي هذا المناخ جلس العرب للمرة الأولى منذ بدء الصراع العربي الصهيوني ليفاوضوا الصهاينة، ورغم أن الفترة التي شهدت انعقاد مفاوضات مدريد من أسوأ فترات التاريخ العربي الحديث الا أن مفاوضات التسوية التي بدأها السادات منفردة أصبحت متعددة الأطراف. ورغم أن خيار التسوية يؤدي بالضرورة وفي اطار أية مرجعية الى عدل منقوص يأتي على حساب الحقوق العربية، فان الصهاينة أبوا الا أن يضيعوا على العرب المكسب الذي انطوت عليه صيغة مدريد، ونجحوا في اعادة الأمور الى النقطة التي توقفت عندها على يد السادات، فكانت اتفاقية أوسلو التي ربحت منها اسرائيل مغانم كثيرة كان في مقدمتها اقرار فلسطيني مجاني بأن المرجعيات السابقة كلها مهدرة. وتعد كل الحلقات التي تلت أوسلو كلها نتيجة مباشرة لها لأنها مكنت الكيان الصهيوني ـ للمرة الأولى أيضا ـ من الانفراد بالفلسطينيين، وحولت الدول العربية الى فريقين: وسطاء، ومتفرجين، وقد كان ادراك العرب والصهاينة على السواء في المراحل الأولى من مسيرة التسوية أنهما يسعيان لحل جزئي مرحلي سببا من أسباب النجاح في هذه المراحل، والنجاح هنا يقصد به الخروج باتفاق موقع، ولا يعني أن الاتفاق الموقع هو بالضرورة عادل أو ذا مشروعية. وكانت استراتيجية تأجيل الحل النهائي وقضاياه أهم ضمانات استمرار مسيرة التسوية. أما عندما ظن الفريقان أن بامكانهما التوصل الى (حل نهائي)، بغض النظر عن تمني البعض أن يكون عادلا شاملا، تبددت الأوهام وتحطمت المسيرة كلها، فخلال كل مرحلة من مراحل التسوية كان الطرفان يتفقان بشكل تعاقدي على مرجعية يبرمان وفقا لها اتفاقا كلاهما يعرف أنه يؤجل صداما ولا يعالج الطبيعة الصراعية التي اصطبغت بها علاقة الطرفين، حتى أصبحت جزءا من بنائها. وتعدد المرجعيات كان أحد أهداف الكيان الصهيوني من جولات المفاوضات السابقة، لأنه حصل خلالها عمليا على اعتراف عربي بأن المشكلة لن تتم معالجتها وفقا لمرجعية القانون الدولي، وفي الوقت نفسه ليس لها مرجعية واحدة يمكن بناء عليها الوصول للتسوية المنشودة، وبالتالي فكل الحقوق (المقدسات ـ الأرض ـ السيادة) متنازع عليها وليست مغتصبة. والعنف الذي تفجر في الأرض المحتلة كان تعبيرا عن ضرورة اخراج المقدسات من دائرة المتنازع عليه، أكثر من كونه احتجاجا على تواضع نتائجها. واذا كانت أطراف عديدة ـ عربية وغير عربية ـ تحاول اعادة الطرفين لمائدة المفاوضات، فان هذه الجهود غير قادرة على جمع الطرفين على مرجعية، الا اذا كان مجرد تفاوضهما انجازا. العنف اذن لم يقتل مسيرة التسوية بل كان صرخة انطلقت في جنازة شخص مات بالفعل، وهي ليست صرخة حزن على المتوفى بل صرخة غضب موجهة لمن يصرون على أن الفقيد مازال حيا، ولمن يؤكدون أنه لولا هذه الصرخة لأمكن اعادته للحياة. التسوية السياسية ماتت بالسكته الدماغية غير مأسوف عليها، وما بقى عالقا لا يقبل أي من الطرفين التفاوض بشأنه، وتلك هي المعضلة الكبرى التي تلقي ظلالا كثيفة على استقرار المنطقة. ـ كاتب مصري