اعتمدت إسرائيل على إقامة مواقع أمنية وعسكرية داخل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 وأطلقت على هذه المواقع اسم (مستوطنات) احاطتها بسياج عسكري من التحصينات بحيث تتحول عند اشتعال المواجهات مع الفلسطينيين إلى ميدان حرب أو ساحة قتال، ولعل مستوطنة (نتساريم) في غزة تعد أبرز الأمثلة والتي أطلق الفلسطينيون على الشارع المحيط بها اسم (طريق الشهداء) من كثرة استشهاد الفلسطينيين فيه. وليس صدفة أن يكون جميع سكان المستوطنات في قلب الأراضي الفلسطينية من اليهود المتطرفين، الذين يعتبرون فلسطين أرض المعياد، ولا يعترفون بالفلسطينيين إلا كأغيار لا يستحقون الحياة. وتحرص السلطات الإسرائيلية على تسليح المستوطنين وإخضاعهم لبرامج تدريب عسكري تقوم بشكل أساسي على إعادة احتلال القرى الفلسطينية، وهي خطة تطابق تماما خطط عصابات (شتيرن والهاجاناة) التي احتلت الأراضي الفلسطينية عام 1948. وقد ظهرت ملامح هذه المخططات عندما اشتعلت الانتفاضة في 28 سبتمبر 2000، حيث قام قطيع من المستوطنين باحتلال عدد من القرى الفلسطينية بعد قطع المياه والكهرباء والتليفونات عنها، وعموما فإن ظهور المستوطنين في الشوارع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأسلحتهم الآلية قد أصبح من الصور المألوفة الآن . وينتظم المستوطنون داخل أطر تنظيمية خاصة بهم، تختلف بطابعها العام وبادوارها ومهماتها إلى حد ما، عن الأطر الحزبية الأخرى في إسرائيل، وقد تحدث كاتب إسرائيلي عن فلسفة انتظام المستوطنين في هيئات وأطر لا حزبية خارج الكنيست، بأنها تعود بالدرجة الأولى، إلى ارتباطهم بعالم التوراه، وأرى أن هناك مزايا خاصة في بعدهم عن النظام السياسي الإسرائيلي، تتجلى عبر حرية عمل هؤلاء المستوطنين في الأراضي العربية المحتلة وتعزيز وجودهم ومواقعهم ليصبحوا قوة قادرة على التأثير بصورة فاعلة على مسار الصراع مع العرب، ومن تنظيمات المستوطنين هذه: أ ـ مجلس المستوطنين: تأسس هذا المجلس عام 1980، ويضم في عضويته مستوطنين من مختلف الاتجاهات الحزبية السياسية السائدة في أوساط المستوطنين . وهو عبارة عن هيئة لا ترتكز على حلول فكرية، بل غايتها حل الشئون العملية كمشاكل المياه والأراضي والاتصال بالسلطات العسكرية، وتشكيل مجموعة للضغط السياسي عند الحاجة وأعلن المجلس عن أهم أهدافه في المؤتمر الذي عقده عام 1994 بالتأكيد على العمل من أجل تطبيق السيادة الإسرائيلية على كل مناطق (يهودا والسامرة) وقطاع غزة، ومن خلال الاعتراف العلني بأن هذه المناطق جزء لا يتجزأ من أراضي إسرائيل الكاملة . ب ـ جوش أمونيم وذراعها (أحانا): تأسست في مايو عام 1974 نتيجة الإفرازات الداخلية الإسرائيلية اثر حرب أكتوبر 1973 . وهي تدعو إلى عدم التنازل وعدم الانسحاب أو التخلي عن الأراضي العربية المحتلة، وعن طريق الإيمان بضرورة الاستيطان في جميع أرجاء أرض إسرائيل وتعتمد في تمويلها على مصادر التمويل الحكومية، وعلى بعض الأثرياء اليهود داخل فلسطين وخارجها. جـ ـ رابطة بيشا: وهي حركة استيطانية أيديولوجية أقيمت عام 1979 تحت اسم آخر هو (مستوطنين من أجل يهودا والسامرة)، وهي تضم جميع المستوطنات بمعزل عن إنتماءاتها السياسية والأيديولوجية، وتمارس دورا هاما في نشر الاستيطان الصهيوني على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي العربية المحتلة، كما تساهم في توفير المناخ الملائم للعمليات الإرهابية . هذا إلى جانب الحركات الارهابية السرية، وهي عبارة عن مجموعات صغيرة تتمركز في مستوطنة واحدة، أو في عدة مستوطنات، أو في مجموعات كبيرة تتوزع على سائر المستوطنات، بعضها منظم بشكل دقيق، وبعضها الآخر تجمعه أهداف مؤقته للقيام بأعمال إرهابية معينة، وهدف هذه التنظيمات السرية إشاعة ونشر الخوف والإرتباك بين صفوف المواطنين العرب من اجل الضغط عليهم ودفعهم إلى ترك الأرض والرحيل عنها، عبر إيقاع أكبر الخسائر بينهم، ومن بين أهم هذه الحركات حركة (القبلاه)، وهي التي لعبت دورا كبيرا في مقتل رابين.والقبلاوه هي حركة باطنية نشأت بين اليهود الأرثوذكس في القرون الوسطى وحركة (حي فاكيام) ومن زعمائها (يهود عتسيون) الذي وضع خطة لتفجير المسجد الأقصى في أوائل الثمانينات، وحركة (السيكريكيم)، وهي حركة إرهابية يمينيه متطرفة جدا، ويقوم نشطاؤها بتنفيذ العمليات الإرهابية والإجرامية باحتراف كبير، ولا يتركون أية اثار تدل عليهم، وحركة (حيروت دافيد) أي سيف داود، وحركة (أمناء جيل البيت)، وهي حركة دينية متطرفة، أنشأت لنفسها في أوائل الثمانينات جمعية اسمتها (صندوق جمعية جيل البيت)،وهي تسعى إلى تهويد منطقة المسجد الأقصى، وحركة (موكيد ياهف) وهي مجموعة إرهابية يرتكب المنتمون إليها أعمالا إجرامية مغرقة في عنصريتها، وهي تمارس أعمالها ونشاطاتها تحت ستار مجموعات الحراسة، فتقوم بنشاطات ضد أهداف عربية، وحركة (أي- آل) وهي منظمة سرية يهودية متطرفة، وتعني التنظيم اليهودي المقاتل، وهي تعمل لإرهاب العرب في الأراضي المحتلة ويبلغ مجموع هذه الحركات السرية ستت عشرة منظمة. وفضلا عن هذه الحركات الإرهابية السرية توجد في إسرائيل حركات إرهابية علنيه لعل من أشهرها حركة (موليدت) ومن أهم مبادئها المعلنة أنها تعرب عن تأييدها المكشوف لعملية ترحيل العرب سكان المناطق المحتلة، وتقترح أيضا نقلهم إلى الطرف الآخر من نهر الأردن بطرق مختلفة لكونهم يشكلون خطرا كبيرا على الوجود الأمني اليهودي، وتعتبر أن أي تنازل يهودي للعرب هو تخلي عن مبادئ التوراة. أما حركة حتميا (النهضة) ، فهي تعد من أكثر الحركات الصهيونية الفاشية تطرفا وعنصرية في إسرائيل، وهي حركة سياسية يمينية من أهم مبادئها أنها تطالب، وبشكل جازم، بإقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية والعمل على تخصيص اعانات مادية كبيرة لهذا الغرض، ويتزعمها يوفال نتمان وجئيولا كوهين وخنان بوات، وهي تؤمن بأيديولوجية (أرض إسرائيل الكبرى) وقد تحولت إلى منتدى سياسي ثقافي، وحصلت على تمثيل برلماني حيث كان لها ثلاثة أعضاء في الكنيست. وهناك كذلك حركة (كاخ) المعروفة بتطرفها وإرهابها والتي تمثل في الكنيست الإسرائيلي، وتستقي مواقفها عن مفهوم ديني، ومعظم أعضائها من الطلبة وصغار السن وكان يتزعم هذه الحركة مائير كهانا، ولكنها استمرت بعد موته، وتتحدث (كاخ) بشكل مكشوف عن معالجة شئون عرب المناطق المحتلة بطريقة العنف، وفي الحقيقة فإن هذه الحركة جمعت بين العمل العلني والعمل السري، وتتركز نشاطاتها في مدينة القدس، وأخيرا فإن هناك حركة (كهانا حي) وهي حركة إرهابية يمينية متطرفة مماثلة لحركة (كاخ)، وليست هناك فروق أيديولوجية بين الحركتين باستثناء الخلافات الشخصية، ويقيم معظم أعضاء الحركة في (كفارتبوح) في منطقة شمال الضفة مع زعيمهم (بنيامين كهانا) نجل الحاخام كهانا، البالغ من العمر ستة وعشرين عاما والذي يرى نفسه على شكل أبيه. ومن المعروف أنه ومنذ اشتعال انتفاضة الأقصى، ازدادت أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون ضد السكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وقد أعلن البعض من قادة المستوطنين منذ بداية الانتفاضة أن المستوطنين سيأخذون زمام المبادرة، وأنهم سيتصرفون بطريقتهم الخاصة، وسيستعملون القوة إذا لم ترق لهم طريقة معالجة الأمور من قبل قوات الجيش الإسرائيلي،وفعلا حصل الكثير من هذه الأمور باعتراف تقرير صدر مؤخرا عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسليم) حيث جاء به أن المستوطنين قد أطلقوا النار على فلسطينيين ورجموا سيارات فلسطينية بالحجارة والحقوا الضرر بالممتلكات وقطعوا الأشجار وأحرقوا المساجد واعتدوا على طواقم طبية وصحفية ومنعوا وصول المزارعين إلى أراضيهم وأغلقوا الطرق أمام سيارات الفلسطينيين . وأقر تقرير (بتسليم) أن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين ليس بالشئ الجديد، فهذا العنف يمارس دائما، فمنذ الانتفاضة الأولى بل وقبلها قتل 119 فلسطينيا من ضمنهم 22 طفلا بأيدي المستوطنين ومواطنين إسرائيليين . ويشجع هذه الأعمال سياسة التساهل وقصر ذات اليد المستمرة، وعدم فرض سيادة القانون من قبل السلطات الإسرائيلية على المستوطنين . ويقول ذات التقرير أنه وبحكم كون إسرائيل القوة المحتلة فهي ملزمة وملقي على عاتقها الدفاع عن سلامة وأمن السكان الفلسطينيين الذين يرزحون تحت سلطتها . ولكن سياسة عدم فرض سيادة القانون عندما تكون الضحية فلسطينية هي السياسة السائدة في ظل الاحتلال الإسرائيلي، فالسلطات الموكولة بالمحافظة على سيادة القانون في إسرائيل كالجيش والشرطة والنيابة العامة وسلطات القضاء، تنفذ سياسة غير معلنة ، تتسم بالتساهل والتسامح وعدم تنفيذ القانون أو اتخاذ الحق لمجراه، حيال مواطنين إسرائيليين، إذا ما أعتدوا على الفلسطينيين. ويتضح من الشهادات الكثيرة التي جمعها مركز بتسليم أن الجنود الإسرائيليين الذين يتواجدون ويشهدون الاعتداءات على السكان الفلسطينيين من قبل المستوطنين، لا يتدخلون ولا يفعلون شيئا لمنعها، فكثيرا ما يقوم المستوطنين بإغلاق الطرقات أمام المركبات الفلسطينية وذلك في وضح النهار، وكثيرا ما يعلنون عن ذلك مسبقا بوسائل الاعلام، ومع ذلك لم تتخذ السلطات الإسرائيلية الإجراءات اللازمة لايقاف هذه الأعمال. ويسلم تقرير المركز الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، بأنه وفي عدة مناطق من الضفة الغربية أسس المستوطنون دوريات مسلحة ومستقلة، المشاركون فيها لا يخضعون لإطار رسمي ولا ينصاعون لاوامر قوات الجيش والشرطة الإسرائيلية. كما أن الشرطة الإسرائيلية لا تقوم بالتحقيق في حوادث قتل المستوطنين للفلسطينيين، وحتى في الحالات التي يتم التحقيق فيها، نادرا ما يعاقب الجناة. وفي الفترة الواقعة بين عام 1994 ـ 2000 تابع مركز (بتسليم) طريقة معالجة السلطات الإسرائيلية لعشرات الحالات التي جمع شهادات من ضحاياها حول أعمال العنف التي قام بها المستوطنون ضد الفلسطينيين، فتبين أن معظم هذه الملفات يتم اغلاقها بسبب عدم وجود أدلة كافية (أو بحجة أن) الجاني غير معروف. وهكذا يتواصل الهجوم الإسرائيلي الاستيطاني الوحشي والهمجي من جانب الجيش الإسرائيلي ومن جانب المستوطنين المتطرفين ضد شعبنا الفلسطيني الأعزل الذي فشلت حتى الآن كل محاولات تركيعه، وفي الحقيقة فإن استهداف المستوطنين من جانب أبطالنا المنتفضين، قد أعاد ترتيب أولويات النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وطرح موضوع المستوطنات وإزالتها شرطا فلسطينيا ملزما لايمكن أن تتجاهله أي محاولة للتسوية. ـ كاتب مصري