قبل عشرة شهور اندلعت انتفاضة الأقصى بعد أن دنس السفاح شارون ساحة الأقصى بزيارته المشبوهة في حماية آلاف الجنود الاسرائيليين.. وكان ما فعله شارون هو الشرارة التي أطلقت كل مشاعر الفلسطينيين.. ليس فقط دفاعا عن القدس والمسجد الأقصى، بل أيضا ثأرا لسنوات الهوان تحت الاحتلال، ورفضا لاستمرار مخططات اغتصاب الأرض واذلال الشعب الفلسطيني وتهويد القدس وابتزاز العرب. اليوم.. يتم وضع أساس الهيكل المزعوم في منطقة الحرم القدسي، بعد ان وافقت المحكمة العليا الاسرائيلية لجماعة متطرفة على بناء الهيكل المزعوم مكان الهيكل الثاني الذي يقول اليهود أن الرومان هدموه سنة 70 ميلادية، ويطالبون ببنائه مكان المسجد الأقصى!! كيف سيكون الرد؟ وهل سيكتفي العرب والمسلمون باعلان الحداد.. أم أن الأقصى سيجمع الشتات، ويجبر العرب والمسلمين على التحرك قبل الكارثة؟! الموقف خطير، وكل شئ على الساحة ينبئ بانفجار خطير تخطط له حكومة شارون، وتحشد له كل قوى التعصب الصهيوني في الداخل والخارج، وتستغل فيه التواطؤ الأمريكي والصمت العالمي والعجز العربي. خيار التصعيد ففي نفس الوقت الذي يستعد فيه الصهاينة للاحتفال بوضع أساس الهيكل المزعوم، يتحدث السفاح شارون أمام أقطاب حزبه (الليكود) فيؤكد أن القدس خارج التفاوض، وأن حرب العصابات التي يشنها الجيش الاسرائيلي ستستمر مشيرا بذلك الى حملة الاغتيالات ضد رجال المقاومة الوطنية ثم يغلق شارون أبواب أي تسوية حين يؤكد أن من يتصور امكانية العودة الى (كامب ديفيد) و(طابا) هو واهم.. أي أن المفاوضات اذا بدأت فبشروط شارون التي لا تعني الا الاذعان لكل المطالب الاسرائيلية والاستسلام دون قيد أو شرط. وفي نفس الوقت الذي يستعد فيه الصهاينة للاحتفال اليوم بوضع أساس الهيكل المزعوم كانت صيحات الحرب تتزايد، وكانت مكاتب التطوع لاستقبال جنود الاحتياط والمتطوعين للانضمام للجيش الاسرائيلي تفتح أبوابها في مدن أمريكا وأوروبا، وكانت (التسريبات) تتوالى حول خطة اجتياح مناطق السلطة الفلسطينية أو العدوان على لبـنان وسوريا. ورغم أن العديد من الدوائر مازالت تتعامل مع كل ذلك على أنه من باب (التهويش) كما أكد وزير خارجية مصر، وترى أن الحديث عن حرب شاملة في المنطقة هو مجرد ابتزاز لأن اسرائيل تعرف أن تكلفة مثل هذه الحرب لن يدفعها العرب وحدهم وأن خسائرها هي ستكون فادحة، بالاضافة الى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعط الضوء الأخضر لحكومة شارون، ومثل هذه الحرب لن تتم الا بتواطؤ كامل بين أمريكا واسرائيل. رغم ذلك، فان دوائر أخرى تتوقع (الأسوأ) وتبني حساباتها كما أوضحنا في مقال سابق على أن شارون لايملك خيارا آخر الا التصعيد، وبدون ذلك فهو مضطر للرجوع الى طاولة المفاوضات ومواجهة الحقائق التي لايملك برنامجا للتعامل السياسي معها.. ومن هنا فهو لا يملك الا الهروب الى الأمام معتمدا على رأي عام اسرائيلي يزداد هوسا وتعصبا، ويغيب فيه أي صوت للاعتدال، ومعتمدا أيضا على أن أمريكا التي أيدته في كل خطواته حتى الآن ستواصل تأييدها له طالما بقيت ردود الفعل العربية تحت السيطرة وبقيت المصالح الأمريكية آمنة مستقرة. ثم.. ماذا اذا اقترن ذلك كله بالمساس بالمقدسات واستباحة الحرم القدسي، والبدء ـ بحكم قضائي اسرائيلي ـ في بناء الهيكل المزعوم في الساحة الشريفة، ودعوة المتطرفين اليهود الى دخول الحرم القدسي متنكرين بالزي العربي والصلاة في الحرم ؟ وهل سيتكرر ما حدث عام 1990 حين دافع المسلمون عن المسجد ضد عدوان المتطرفين اليهود، فتصدت لهم الشرطة، وكانت النتيجة مذبحة راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى ـ وهو ما تكرر على يد شارون عشية انتفاضة الأقصى، وما سيتكرر مع كل عدوان. الرد المطلوب قبل عشرة شهور استغاثت القدس من عدوان شارون فكانت الانتفاضة ـ واليوم تستغيث القدس فهل تجد استغاثتها صدى؟ هل تسمع الاستغاثة كل القوى الوطنية على أرض فلسطين فتوقف المؤامرة على وحدتها، وتقوم بتطويق الصدامات التي بدأت في غزة بين السلطة والمقاومة؟ وهل تدرك السلطة أنها ستفقد شرعيتها تماما اذا انصاعت للضغوط وتخلت عن المقاومة أو تصدت لها تنفيذا لشروط شارون ومطالب المخابرات الأمريكية ؟ وهل تدرك فصائل المقاومة أن وحدة الصف مطلوبة وعبور الموقف الصعب تحتاج لتضحيات؟ وهل تدرك كل الأطراف ان أي صراع بينهما سيكون كارثة للشعب الفلسطيني بمقدار ما سيكون هدية ثمينة لشارون وحكومته التي تصعد عدوانها يوما بعد يوم؟ هل تكون استغاثة القدس اليوم انذارا للفلسطينيين جميعا بأنهم لايملكون ترف الصراع على القيادة أو الاختلاف في مواجهة الحملة الصهيونية النازية التي يواجهونها؟ وهل تفهم السلطة والمقاومة حقائق الشهور العشرة الأخيرة والتي أفرزت العديد من الحقائق التي لابد أن يستوعبها الطرفان، فتدرك السلطة أنها لم تعد مطلقة اليد في تقديم التنازلات أو الدخول في سراديب المفاوضات الخائبة (علنية أو سرية) مارستها سنوات دون أن تحقق بها شيئا؟ وهل تدرك كل فصائل المقاومة ان أعظم ما حققته انتفاضة الأقصى(رغم الاخفاقات الكثيرة) هو وحدة الصف، وأنها جميعا سوف تدفع الثمن اذا فرطت في هذه الوحدة، وأن الشعب الفلسطيني لن يسامح أحدا هذه المرة اذا ارتكب هذه الخطيئة.. مهما كان موقعه ومهما كان تاريخه؟ هل تسمع الأطراف الفلسطينية المختلفة صوت العقل واستغاثة القدس، فيعود الجميع الى الطريق الذي لا طريق غيره.. الوحدة حول المقاومة، والحرص على استمرار الانتفاضة ـ والتصدي الحازم للمماليك الصغار الذين يتصورون أن استمرار المقاومة سيكون عقبة في طريق طموحاتهم الشخصية وتحالفاتهم اللامبدئية؟ وهل تكون ازاحة هؤلاء المماليك هي الخطوة التي يتفق عليها الجميع قبل أن تقع الكارثة ويبيع المماليك كل شيء، وتخسر المقاومة وتنهار السلطة وتباع الانتفاضة بلا ثمن؟! الوحدة حول المقاومة هي كلمة السر التي لابد أن تعرفها كل الفصائل، وهي الرد المناسب على استغاثة القدس وعلى تهديدات شارون، وهي الرسالة التي ينبغي أن تصل واضحة.. للعرب أولا، ثم لأمريكا والعالم. فبدون هذه الكلمة لايكون هناك معنى لدعوة عرفات الى قمة عربية استثنائية بل ان التئام القمة في ظل تفكك الجبهة الداخلية الفلسطينية سيكون كارثة، لأنه سيكون دعوة مفتوحة للنظم العربية لكي تتحلل من مسئوليتها في مواجهة العدوان الاسرائيلي وترك الشعب الفلسطيني وحيدا في المعركة وبدون هذه الكلمة (الوحدة حول المقاومة) لن يكون للفلسطينيين والعرب ما يواجهون به الولايات المتحدة الأمريكية، ولا ما يطالبون به العالم.. ولن يكون هناك الا الرضوخ لضغوط أمريكا، والتسليم بشروط شارون، وتقديم الاعتذار للعالم كله على ما سببنا من (ازعاج) ونحن نقاوم الاحتلال ونطالب بحقوقنا المشروعة!! (الوحدة حول المقاومة) أولا وقبل كل شئ، وبعدها نتحدث مع أنفسنا ومع الآخرين. مطالب ملحة بعدها نبحث هل القمة العربية مطلوبة ؟ وهل هي ممكنه؟ وهل ستكون ايجابية في مواجهة الموقف.. أم أن المطلوب ـ وعلى وجه السرعة ـ هو ما طالبنا به قبل ذلك، وهو القمة المصرية السورية السعودية التي يمكن أن تتسع لتضم دول الطوق أو الدول الممثلة في لجنة متابعة قرارات القمة السابقة . هذا الاجتماع الذي ينبغي أن يتم على وجه السرعة لمواجهة التطورات المتلاحقة لا ينبغي له أن يتوه في موضوعات عديدة، بل ينبغي أن يكون استئنافا للمؤتمرين السابقين وبصورة أكثر تحديدا، ومن هنا فاننا نطالب بما يلي: ـ متابعة تنفيذ القرارات السابقة للقمة فيما يخص دعم الانتفاضة وانقاذ القدس والاعلان مجددا أن كل الامكانيات العربية سيتم توفيرها في هذا المجال. ـ التنفيذ الصارم لقرارات وقف الاتصالات السياسية مع اسرائيل، وبحث الاجراءات المطلوبة في مواجهة استمرار حكومة شارون في سياستها بما في ذلك تجميد العلاقات الدبلوماسية أو قطعها. ـ اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتفعيل المقاطعة العربية الاقتصادية الشاملة لاسرائيل، وانهاء (مقاطعة) الحكومات العربية لاجتماعات مكتب مقاطعة اسرائيل، واستئناف هذه الاجتماعات على الفور. ـ التنديد بالموقف الأمريكي المتواطئ مع اسرائيل، وتحميل الادارة الأمريكية مسئولية تدهور الموقف وتبعات استمرار حكومة شارون في البطش بالشعب الفلسطيني الأعزل والتهديد بالعدوان على الدول العربية. ـ الدعوة لعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن لبحث الموقف المتدهور في المنطقة واتخاذ الاجراءات الكفيلة بوقف التدهور وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، مع الاعلان عن أن الدول العربية ستضع كل امكانياتها من أجل تطبيق القرارات الدولية واقرار السلام العادل الشامل في المنطقة، ومع التأكيد على أن مصالح الدول الكبرى في المنطقة ستتأثر حتما بموقفها من الشرعية الدولية والمصالح العربية. ـ تكليف وفد يضم اثنين من الدول العربية المؤثرة ومعهما الأمين العام للجامعة العربية للسفر الى واشنطن والاجتماع بالقيادة الأمريكية وابلاغها بالقرارات العربية ومطالبتها بالتحرك لانقاذ الموقف قبل الانفجار الذي ستتحمل أمريكا الجزء الأكبر من مسئوليته بحكم دعمها لاسرائيل ومساندتها لحكومة شارون.. هل نفعل.. أم أن استغاثة القدس لن تجد من يسمعها؟! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية