للمرة الثانية يشعرنا زميلنا العزيز الاستاذ محفوظ عبدالرحمن بالذنب والخجل وهو يجأر بالشكوى من الوحدة التي يعاني منها على صفحات ملحق الخميس الاسبوعي «بيان 2» ويعتبره نفياً لم يؤخذ فيه رأيه وعقاباً على أخطائه التي تبدأ من رداءة خطه ولا تنتهي عند عدم انتظامه في الكتابة كما يقول وإن كنا لا نتفق معه على ذلك، ملمحاً إلى الصقيع الذي يشعر به بعد أن تم ابعاده ـ كما استقر لديه ـ عن «استراحة البيان» وفارقنا إلى حيث لم يطب له المقام ولم يرق، ومع ذلك فقد جلس ـ في كبرياء هو جدير به ـ بعيداً عن الاستراحة وقد وضع ساقاً على ساق ليرى الناس أنه هناك أسعد حالاً دون أن يخفي غضبه من كتّاب الاستراحة لأنهم تخلوا عنه وتركوه وحيدا، محاولاً أن يداري ما برح به من هم لابتعاده عنهم أو يدفع عن نفسه مظنّة ذلك. ولأن نظرية المؤامرة جزء لا يتجزأ من تاريخنا وإرث حضاري أو لا حضاري نتشبث به وإليه نرجع جميع انتكاساتنا وكل انكساراتنا أجدني متعاطفاً مع أستاذنا الكبير وكاتبنا الأثير الاستاذ محفوظ عبدالرحمن، وأعيده إلى البدايات الاولى لمراحل تنفيذ هذه المؤامرة عندما دفعنا به إلى الفخ فرشحناه عميداً لكتاب الاستراحة أو نقيباً لهم، وأشهد الله أنني كنت صادقاً في ذلك بعد أن وضعت نفسي على رأس قائمة المعجبين بقلمه الانيق وأسلوبه الرشيق الذي مازال يمتعنا به رغم معاناته من الوحدة والاحساس بالاضطهاد، وقد جاءت استجابة كاتبنا الكبير لهذه الدعوة الملغومة مفعمة بالطيبة مثيرة للقلق حيث استعرض «أوهام العمادة» وتاريخها في حياته قائلاً إنه لم يفكر فيها يوماً وإن كان قد ختم مقالته بالاعتراف بأنه قد عاش في وهم ـ من صنع كاتب هذه السطور ـ ولو ساعات. وقد غاب عن كاتبنا الحصيف أن الوهم في زماننا ذنب لا يغتفر يراه البعض أعظم من الشرك، وجريمة لا تستتر يعدونها أكبر من القتل، فمن منا لا يعرف يا صاحبي ـ مثلاً ـ أن معظم الانقلابات التي حدثت وتحدث حتى اليوم في بقاع العالم المختلفة قد بدأت بوهم الزعامة الذي عاشه البعض ولو ثواني ليتحول بعد ذلك إلى كوابيس تعيشها الشعوب عقوداً من الزمن لا يعلم عددها إلا الله؟ وكلما حلمت هذه الشعوب بأنها في سبيلها إلى الخلاص من كابوس خرج لها واهم آخر ليوقظها من أحلامها ويعيدها إلى الواقع حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ومن منا لا يعرف أن من أكبر الاوهام التي يمكن أن تؤدي بنا إلى ما لا يحمد عقباه هو أن نتصور أنه بإمكاننا أن نسترسل في حديث كهذا دون أن ينالنا أذى أو أن تمتد يد الرقيب إلى ما نكتب فتشذبه وتهذبه إن استطاعت أو تلقي به إلى سلة شهيرة قريبة من قدمي حارس البوابة إذا استعصت الحلول وخرجت الكلمات عن الخطوط الحمراء الأشد صعقاً من خطوط الكهرباء ذات الضغط العالي؟ ولذلك فإننا نؤثر السلامة ونعود إلى زميلنا الذي أبعد عنا بفعل فاعل «حسن النية» فأصبح هو يعاني الوحدة في منفاه القسري وأصبحنا نحن نكابد الشوق والحنين إليه، ونضرب كفاً بكف، ونتحسر على أيام تلك العشرة الطيبة، ونعض أصابع الندم على دفعنا إياه للحديث عن فكرة العمادة وهاجسها فكان الذي كان وحدث ما لم يكن في الحسبان. ولقد أثبت كاتبنا الكبير أنه أكثر منا وفاء وعلى العشرة أبقى عندما ظل ـ رغم ما قابلناه به من نكران وجحود ـ حافظاً للود وفياً للعهد يتذكر زملاءه الذين تخلوا عنه ويحن إلى مجالستهم على الورق فيناجيهم من على البعد ويجاريهم في موضوعات يختتمون هم بها صفحات «البيان» فيفتتح بها هو صفحات الملحق الاسبوعي الذي اكتسب شعبيته من تصديره بمقالته الممتعة الظريفة التي تجعلنا نبدأ يوم الخميس بقراءة الملحق ثم نعود لقراءة الجريدة بعد ذلك، فإذا ما انتهى من مناجاة الزملاء ـ بعد تقريعهم ـ وجه عتابه لرئيس التحرير الذي انتزعه من بيننا في خطوة اعتبرها البعض ـ كما يقول صديقنا ـ ترقية يحسد عليها واعتبرها الآخرون نفياً، ولم يصدق هو هذا ولا ذاك. ولقد آن الاوان كي نميط اللثام عن الحقيقة التي ظل صديقنا العزيز يبحث عنها في حكاية نفيه إلى جزيرة «بيان 2» كما يسميه، ونكشف المؤامرة التي تعرض لها ليجد نفسه بين خميس وجمعة بعيداً عن زملائه كتاب الاستراحة يتصدر ملحقاً مستقلاً أكاد أسميه «بيان محفوظ عبدالرحمن» لكوني أول ما أبحث فيه عن مقالته. تعود الحكاية إلى الصيف الماضي ـ وفي الصيف تحاك المؤامرات عادة ـ عندما قررت قيادة أركان الجريدة إصدار ملحق خاص آخر الاسبوع يكون أكثر تنوعاً وأغزر مادة من «بيان اليوم» كي يبقى في يد القارئ يومي الاجازة الاسبوعية، فعكفت على وضع الخطوط العريضة والتفاصيل الدقيقة لمحتوياته ليكون متميزاً، وبعد أن اكتمل كل شيء ظل غلاف الملحق محل نقاش وبحث لاعطائه التميز الذي يدعو القارئ للانجذاب إليه ويغريه بالارتباط به. وبعد استعراض الكثير من الافكار استقر الرأي على أن تتصدره مقالة كاتب متميز يضمن له هذه الجاذبية المنشودة، وبحثنا عن هذه الجاذبية فلم نجد أشد توهجاً من تلك التي تسيل مع مداد صديقنا العزيز وكاتبنا الكبير الذي مازال في نفسه شيء من هذا الانتقال الذي أثار قلقه ومازال يمثل له علامات استفهام ينثر بعضاً منها بين فينة وأخرى ليشعرنا بالذنب نحن كتاب الاستراحة على وجه الخصوص، ويوجه اللوم والعتاب لرئيس التحرير الذي يعتبر وجود مقالة زميلنا العاتب على غلاف الملحق الاسبوعي أحد أهم عوامل نجاح هذا الاصدار الذي هو آخر عناقيد «البيان» ـ وليس الأخير ـ إذا ما اعتبرنا الجريدة هي الأم والملاحق هي الأبناء، و «آخر العنقود سكر معقود» كما تعرف يا عزيزي، ولذلك فإنني أدعو كاتبنا المنشغل بالتفكير في هذه المسألة إلى أن يكتب مقالته ويدع القلق جانباً، وأن «يحوط» نفسه بالمعوذات درءاً للحسد فبحسابات الربح والخسارة نعتبر أنفسنا نحن كتاب الاستراحة أول الخاسرين بانتقال زميلنا العزيز من هذه المساحة، إذ كنا نباهي بوجودنا معه وكنا نقول إننا نكتب في استراحة البيان مع محفوظ عبدالرحمن ففقدنا هذه الميزة بعد أن هجرنا واستقل بملحق خاص لا ينازعه فيه أحد، وأصبح يضع ساقاً على ساق في مساحة لا تحيط بها من اليمين والشمال وفوقها زوايا يومية ثلاث تتخطف منها القراء، وتتوزع أسفلها صور لحسان فاتنات تنجذب إليها الأنظار كانجذاب الفراش للأزهار، فماذا يتبقى بعد ذلك للاستراحة وكتابها يا صديقي العزيز سوى هذا الحوار المتبادل بيننننا؟ و (سواء كنا جيراناً أو غير جيران فسنظل نقرأ مقالة محفوظ عبدالرحمن ونحس بالحنين له وهو الجالس بعيداً عن استراحة البيان ـ قريباً من قلوب كتابها وقرائها ـ وقد وضع ساقاً على ساق) لأنه الأسعد حالاً فعلاً بمحبة القراء له وحرصهم على الذهاب خلفه لقراءة مقالته، وحتى لو ذهب بها إلى صفحة الاعلانات المبوبة فسيجدنا جميعاً بانتظاره، وستصبح للصفحة مكانة تحسدها عليها بقية الصفحات، وتلك نعمة من رب الأنام بها تنطوي صفحة الأوهام.