يبدو أننا بخسنا العنصريين الصهيونيين قدرهم، حين اعتبرناهم من التابعين الذين اهتدوا بنباهة وذكاء بالنازيين لجهتي الفكر والحركة، النظرية والتطبيق. غير أنه يشفع لنا ولغيرنا في ذلك، الأخذ بخطأ شائع في كل الأدبيات التي عالجت العنصريتين الصهيونية والنازية من منظور مقارن، منح السبق والريادة للثانية دوما. فالمتابعة التحليلية المتأنية لبعض أهم المعطيات التاريخية والموضوعية والمضمونية، المتعلقة بالخطأ بين الصهيوني والنازي، تتعارض وهذه القناعة وتنتهي بعكسها على طول الخط. وبين المعطيات المرشحة في مهمة كهذه، ملاحقة التسلسل أو التوالي التاريخي لكل من المصادر الثقافية للخطابين (النظريتين) ومسيرتهما التنظيمية المؤسساتية ومستوى انتشارهما وديمومتهما، فضلا عن التعرف على حظيهما من النجاح أو الفشل. نحن اذا قمنا بذلك أدركنا كيف أن النازية تتلمذت على الصهيونية، فأفلحت في أشياء وخابت في كثير. هناك من ناحية، ثلاثة مصادر مرجعية للعنصرية الصهيونية أولها الرواية التوراتية - التي دونها حاخامات على زمن ممتد - حول العلاقة بين البشر وقضية الإصطفاء الإلهي لليهود. وثانيها، الأفكار القومية الشوفينية التي ازدهرت في الرحاب الأوروبية قياما على التصورات الداروينية. وثالثها التجليات الاستعلائية وظاهرة التفوق التي امتدت بهذه الأفكار وأدت الى تبلور ما عرف برسالة الرجل الأبيض والشعوب المتمدنة، وجرت ممارستها بقسوة ضد شعوب المستعمرات. واذا اتفقنا على أن النازية تقتسم مع الصهيونية المصدرين الثاني والثالث، فإنه يسجل للأخيرة قصب الأولوية التاريخية والتفرد الفكري بالمصدر الأول (التوراتي)، الذي كان باعتراف النازيين مصدر إلهام لهم. فما يجدر ذكره، أن هؤلاء كانوا يشيرون تباعا أثناء محاكمات نورمبرج الى أن مواقف النازي من اليهود، تمت صياغتها إستنادا للأدبيات الصهيونية. تتأكد صحة هذا القول بالرأي الشهير الذي أحال ممارسات النازي بحق اليهود الى العنصرية التي تسعى لطرد عنصرية أخرى، لكن الحجة الأقوى بهذا الصدد تظهر في شهادة ألفريد روزنبرج (1893 - 1946)حيث ذكر أنه تأثر بأفكار مارتن بوبر (1878 - 1965).. وروزنبرج هذا هو المنظر الوحيد تقريبا للنازية، التي كانت تفتقر للمثقفين.. أما بوبر (الاستاذ هنا) فهو من الآباء الصهاينة كبار مفسري العهد القديم، الموقنين بأفكار نيتشه وداروين حول إرادة القوة والبقاء للأصلح.. ولقد مات التلميذ إعداما فيما عمر بوبر حتى السابعة والثمانين!. من ناحية ثانية، فإنه يمكن بالفعل الاعتماد على الأسبقية الزمنية لنضج الفكرة الصهيونية مقارنة بالنازية، فكل الصهيونيين الأوائل المؤسسين للعنصرية الصهيونية، فكرا وتنظيما، يكبرون نظرائهم في الإطار النازي سنا ويسبقونهم في خوض الغمار، وربما كان معظم النازيين صبية أو حتى لم يولدوا بعد، حين كانت الصهيونية السياسية قد استوت على عودها، وكانت أدبياتها ومؤسساتها ملء السمع والبصر. لنا أن نلاحظ مثلا، كيف كانت المنظمة الصهيونية العالمية قد عقدت منذ 1897 أحد عشر مؤتمرا، حينما ظهر الى الوجود الحزب الاشتراكي القومي الالماني (النازي) عام 1919، هذا دون الحديث عن تبلور المشروع الصهيوني فكريا وانتشار المؤسسات العاملة عليه في أنحاء العالم المؤثر، ووصول بعض موجات الهجرة اليهودية الى فلسطين، واستصدار تصريح بلفور الشهير، وإستقطاب تأييد واسع النطاق في أوروبا وأمريكا لهذا المشروع، في الفترة ذاتها أو بعدها بوقت قليل، حين كانت النازية ما زالت وليدة تحبو. ومن ناحية ثالثة، قد يقال بأن النازية تمكنت من الصعود الى سدة الحكم في ألمانيا وراحت تطبق مضامينها داخليا وتسعى الى تطبيق مشروعها العنصري بشكل امبراطوري على نحو قياسي. وهي بهذا تكون قد حققت سبقا على الصهيونية في الممارسة، بيد أن هذا التقدير لا يصدق إلا ظاهريا. فالعنصرية الصهيونية كشرت عن أنيابها في فلسطين متزامنة في ذلك مع علو شأن النازية في ثلاثينيات القرن الماضي. نقول ذلك وفي الذهن أن التكوينات العسكرية الإرهابية وسياسة العمل العبري ورفض الحلول الديمقراطية للقضية الفلسطينية اليهودية، ومثل هذه التجليات العنصرية الصهيونية قد ظهرت في الثلاثينيات. لكن قيام الصهيونية وريادتها بين عنصريات القرن العشرين بالذات مسألة تستدعي المزيد من النظر، وفي سياق كهذا لا ينبغي أن يغرب عن الذهن، نطاق النجاح الكبير للصهيونية في التعمية وإكتساب الأنصار وتفهم البيئة الدولية المتغيرة والقدرة على التلاعب الإعلامي والسياسي في هذه البيئة مطولا.. مما جعلها مؤهلة لعمر أطول ومستوى أكمل من الفاعلية قياسا بالنازية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة