من لا يزال ينظر للعلاقات الدولية كما في السابق، مستخلصا منها امكانيات التناحر والتصادم، بين بعض الاقطاب او بينها جميعها، واهم دون شك. الواقع ان توافق المصالح او تناقضها هو احد السمات الملازمة للعلاقات بين الدول، قديمها وحديثها، بيد ان تحول هذا التناقض الى عمل من اعمال الحرب او الصدام العسكري، بات امرا مستبعدا، ان لم يكن مستحيلا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. ويمكن القول ان عالم الكبار (الولايات المتحدة، اوروبا، وروسيا، الصين واليابان) يتجه اكثر فأكثر نحو التفاهم النوعي في اطار منظومة من القواعد الدبلوماسية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، وسعي هذه الدول الى تحديد اسس موضوعية للتعامل في العلاقات الدولية، لا تنفي تناقض او اختلاف المصالح فيما بينها، لكنها لا تجيز في الوقت نفسه الخروج عليها بصورة مدمرة. ان ثمة شواهد ومظاهر على هذا التفاهم، سواء في مجلس الامن الدولي او في اطار المنظمات الاقليمية، تشير جميعها الى ان الدول الكبرى باتت تتصرف على نحو يؤكد اتفاقها على حدود هذه العلاقة، وادراكها لطبيعتها. مظاهر التناقض ولمن يشاء يمكننا ان نذكر قائمة طويلة من الاختلافات في المصالح بين دول مثل روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة اخرى. وعناصر هذه القائمة يمكن ان تشمل: 1) التعارض الروسي الصيني الامريكي حول نظام الدرع الصاروخية، الذي ستشرع الولايات المتحدة في اجازته قريبا، بعد نجاح تجربة اعتراض صاروخ «معاد» مؤخرا. وجوهر التعارض يتمثل في ان هذا النظام يخل بالتوازن العسكري الاستراتيجي (الذي بني وجرت المحافظة عليه منذ ايام الاتحاد السوفييتي السابق) لصالح الولايات المتحدة. فمثل هذا النظام يمكن الجيش الامريكي من اسقاط اي صاروخ عابر للقارات قبل الوصول الى الاراضي الامريكية، ما يعني ابطال قدرة الدرع الصاروخية لدى الآخرين. والنتيجة العملية لذلك ان تفقد الترسانة الصاروخية (وما تحمله من قذائف نووية او كيميائية او بيولوجية) لدول مثل روسيا او الصين او غيرها، اي اهمية لها في التوازن العسكري. الامر الذي يعني ان على هاتين الدولتين وغيرهما اذا ما ارادتا استعادة مثل هذا التوازن ان تعمدا الى بناء منظومة صاروخية جديدة. وهو ما سيؤدي الى احياء سباق تسلح جديد مما ليس في طاقة الاقتصاد الروسي المتداعي او الاقتصاد الصيني الناشيء تحمله. 2) يوجد كذلك تعارض روسي امريكي فيما يخص توسع حلف شمال الاطلسي شرقا، ووصوله الى حدود نفوذ روسيا الحيوي والتاريخي في بولندا ومنطقة البلطيق، فضلا عن اوروبا الشرقية، ما يعني اعادة رسم الحدود في القارة الاوروبية، حتى ما قبل الاتحاد السوفييتي السابق، وربما ابعد من تلك، وبالتالي محاصرة روسيا غربا وجنوبا. وضمن هذا الاطار يأتي الخلاف الروسي الامريكي حول ملف تسوية الازمة في البلقان (جمهوريات يوغسلافيا السابقة) وميل هذه التسوية الى استلحاق دول المنطقة (البوسنة والهرسك، كرواتيا، كوسوفو وأخيرا صربيا نفسها) على نحو شامل بدائرة النفوذ الامريكي والاطلسي، ربما لأول مرة في التاريخ. ومن الطبيعي ان يجد هذا المسعى اعتراضا ورفضا روسيا وان لم لكن في مقدور الرفض التأثير على مجريات الاحداث. 3) هناك ايضا الملف العراقي والذي شهد في بداية شهر يوليو مواجهة دبلوماسية روسية امريكية في مجلس الامن الدولي على خلفية مشروع القرار البريطاني الامريكي حول تعديل العقوبات على العراق (فيما بات يعرف بالعقوبات الذكية)، الذي اسقطته روسيا ولكن الى حين. وهنا ايضا يتبدى اختلاف المصالح واضحا. فالولايات المتحدة تريد احكام السيطرة على هذا البلد الغني بالنفط والثروات الطبيعية، وابقاءه تحت الاحتواء والعزل، ريثما تحين الظروف المناسبة لادخاله ضمن دائرة النفوذ الامريكي. في حين تريد روسيا رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق كي يتسنى لها المحافظة على مصالحها النفطية والاقتصادية فيه، اضافة الى الاهمية الاستراتيجية التي يلعبها العراق كقوة اقليمية في منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط. 4) اما بالنسبة للصين فإن ابرز نقاط الخلاف مع الولايات المتحدة تتمثل في تايوان ومنطقة التبت وملف حقوق الانسان. وتعد مشكلة تايوان التي تعتبرها الصين اقليما متمردا، الابرز في جدول هذا الخلاف. وبالاضافة الى الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية لجزيرة تايوان، فهي تكتسب قيمة رمزية ومعنوية بحسبان انها شاهد بارز على فترة الصراع الايديولوجي بين الغرب والمعسكر الشيوعي. فهذه الجزيرة التي هربت اليها القوات الصينية الوطنية المهزومة في حربها مع الشيوعيين ابان الاربعينيات، وأسست فيها الدولة التي نراها اليوم، ما كان لها اصلا ان تصمد طوال هذه السنوات (وهي الواقعة على بعد كيلومترات قليلة من التنين الصيني) لولا المساعدة الامريكية الحاسمة. وفي حين ترى الولايات المتحدة ان التزامها بأمن واستقلال تايوان هو جزء اساسي من التزامها بحماية النموذج الغربي وأمن حلفائها في العالم، فضلا عن مصالحها الاستراتيجية، ترى الصين ان حقها في تايوان وهي ارض صينية لا ينبغي ان تشويه شائبة او تؤثر فيه اي سابقة مهما كانت بسيطة وهذا سبب انزعاج بكين من اي اعتراف بحكومة تأيبيه، حتى وان تمثل ذلك في زيارة مسئول في الجزيرة الى اي من بلدان العالم. لكن هذا الخلاف ليس مرجحا ان يصل في اي مرحلة الى حالة صدام، ربما لقناعة الطرفين الصيني والامريكي بأن الزمن وليس غيره كفيل بأن يوضح المآلات التي ستنتهي اليها القضية. وفيما يخص التبت وسكانه الذين يتطلعون للاستقلال عن الصين وتدعمهم الولايات المتحدة في ذلك، او على الاقل توفر لهم الفرصة للتعبير عن مطالبهم، فإن الصين تبدو اقل حساسية ربما لانها متيقنة من قدرتها على حسم هذه الازمة في الوقت المناسب، واستبعاد تطورها الى عامل يهدد وحدة الاراضي الصينية، كما هو الحال مع تايوان. وقل الامر نفسه بالنسبة لملف حقوق الانسان الذي يبرز بين حين وآخر في سماء العلاقات الصينية الامريكية. وهناك نقاط اختلاف اخرى بين روسيا والصين والولايات المتحدة، اقل اهمية، مثل الشكاوى الامريكية من التعاون العسكري الروسي الايراني. مظاهر الاتفاق لكن بالمقابل هناك مظاهر اتفاق بين هذه الدول الثلاث، وهي يمكن ان تشمل: 1) الجانب الاقتصادي: من الملفت في هذا الجانب انه يظهر توافقا كبيرا بين هذه الدول، او قل تحالفا في اطار منظومة عالمية واحدة، على عكس مما تبدو عليه الامور سياسيا. ولا توجد اي خلافات ايديولوجية فيما يتعلق بالعولمة او باقتصادات السوق. ان دولة مثل روسيا التي تتطلع لمواصلة اصلاحات اقتصادية حاسمة، بحاجة الى اقامة علاقات طيبة مع المؤسسات المالية الدولية الكبرى مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، التي تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون السلطة عليهما. وهناك مصلحة اقتصادية روسية في التفاهم مع الولايات المتحدة، كما اظهرت ذلك تجربة السنوات الماضية. فهي بحاجة الى الاستثمارات والقروض والخبرات التكنولوجية. وتعتبر روسيا ان قبولها في اطار مجموعة الدول الصناعية الكبرى، يمثل مكسبا استراتيجيا لم يكن ممكنا تحصيله بدون بناء علاقات جيدة مع الدول الغربية. وفي الوقت نفسه لا يمكن الادعاء بأن مصالح الولايات المتحدة او شريكاتها الغربيات اقل من المصالح الروسية في هذا الجانب. اما الصين التي توشك على الدخول في منظمة التجارة العالمية، وخاضت محادثات اقتصادية مطولة مع الولايات المتحدة وشركائها الغربيين، في السنوات الاخيرة فإنها تحرص هي الاخرى على التمييز بين الملفات الاقتصادية والسياسية. وخلال الايام الماضية اعاد الكونجرس الامريكي التصويت وبأغلبية كبيرة على وضع الدولة الاولى بالرعاية امريكيا للصين. وقيل في حيثيات التصويت انه ليس الصين فحسب التي تستفيد من ذلك، وانما الشركات والمزارعين الامريكيين أيضا والذين هم بحاجة الى اسواق ضخمة كما هو حال السوق الصيني. 2) الجانب العسكري: رغم استمرار حلف شمال الاطلسي في الوجود بعد انهيار حلف وارسو، ورغم التواجد العسكري الأمريكي الكبير في العالم، الا ان التنسيق بين الدول الكبرى، حول الحفاظ على الاستقرار العالمي، من المنظور الاستراتيجي، ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل، يظل واحدا من الشواهد على الترابط الجوهري بين مصائر الجميع. 3) الجانب السياسي: يمكن الحديث هنا عن مصلحة واضحة لهذه الدول في التنسيق حول طائفة واسعة من القضايا الحيوية، مثل مكافحة الارهاب وتسوية النزاعات الاقليمية، وفرض احترام القرارات الدولية. ويظهر الموقف في مجلس الامن الدولي من العراق والسودان ويوغسلافيا ومن حركة طالبان الحاكمة في افغانستان مثلا واضحا على هذا التنسيق، لاسيما في ميدان فرض العقوبات. تضخيم الخلافات وهكذا فانه رغم وجود قضايا تختلف فيها وربما تتناقض مصالح هذه الدول، الا ان ذلك لا يؤدي الى نشوب اعمال عسكرية فيما بينها. بل يمكن النظر الى كل ازمة تحدث على أنها بمثابة رصيد جديد يزيد من الخبرات المتوافرة في كيفية تجنب الانجرار نحو الصدام العسكري. فالولايات المتحدة على سبيل المثال، ورغم اعلانها العزم على البدء بتنفيذ برنامج الدرع الصاروخية قريبا، الا انها حرصت على اعطاء هامش من التشاور والتطمين والتفاهم مع روسيا، وبما لا يودي الى نشوء أي شعور بامكانية التصادم او الاستهداف المستقبلي. ومن جهته قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، صرح قبل ايام بأنه لا ينظر الى الولايات المتحدة او حلف شمالي الاطلسي كأعداء لروسيا، واقترح انضمام بلاده الى الحلف، من بين خيارات اخرى لحل التعارض الناشئ عن توسع الاطلسي. ويمكن النظر الى مثل هذا التصريح كعمل من أعمال الدبلوماسية، غير انه من جهة اخرى يعبر عن درجة المرونة في التعامل الأمريكي الروسي. وحتى بالنسبة للملف العراقي، فعلى الرغم مما تتسم به المواقف الأمريكية والروسية من تناقض وتعارض، فان ثمة أسسا لا يختلف عليها البلدان، أهمها، تنفيذ العراق للقرارات الدولية ذات العلاقة بحرب الخليج الثانية، وضرورة وضع الرقابة الدائمة على برنامج التسلح العراقي وبما يؤمن دخول المفتشين الدوليين الى العراق، وعدم السماح للعراق بالبروز كقوة اقليمية غير مسيطر عليها في المنطقة. من هنا نستطيع القول بأن العلاقات الدولية الحالية (بين الكبار) رغم تعقيدها وتنوعها، وتنافرها احيانا، فانها تسير في اتجاه عام يحول دون ارتطامها، ما يعني ان المراهنين على التناقضات بين الدول الكبرى وامكانية الاستفادة منها، ربما تعين عليهم ان يعيدوا من قراءتهم للواقع الدولي، وعدم المبالغة في تصوير الخلافات الروسية الامريكية او الامريكية الصينية أو غيرها. ـ كاتب من البحرين