(لا تساوي جواهر التاج شيئا بدونك.. أنت الدرة الثمينة فوق رأسي.. وعندما تركت العرش شعرت أن سيفا من النحاس المصقول يخترق قلبي.. لقد شطرت سفينتي الى نصفين.. وحياتي الى نصفين.. سامحك الله). كانت هذه الكلمات هي الكلمات الرومانسية الناعمة الوحيدة التي كتبها شاه ايران محمد رضا بهلوي في حياته.. وقد أحضر أحد شعراء البلاط الامبراطوري ليساعده على صياغتها.. ثم راح يكتبها أو يرسمها بحروف اللغة العربية.. لكنه لم يرسلها الى المرأة التي صدمته في عواطفه وهجرته دون أن يعرف السبب.. زوجته الأولى الأميرة فوزية.. شقيقة الملك فاروق الأول والأخير.. وقد وجدت نسخة من هذه الوثيقة الشعرية النادرة في وثائق السفارة الأمريكية التي استولى عليها الطلبة الايرانيون بعد ثورة الامام الخميني في عام 1979. ولكن.. الوثائق الأمريكية لا تكشف ماخفي في هذه القصة المثيرة التي ترسم صورة نفسية وعصبية وعقلية لآخر ملوك الأسرة العلوية قبل سقوطه في صيف يوليو 1952. إن الذي يكشف أسرار هذه القصة ويحلل أبعادها واحد من المقربين للملك هو (كريم ثابت) سكرتيره الصحفي منذ عام 1942 بعد الحادث الشهير الذي عرف بحادث (4 فبراير).. وكان قبل أن يدخل القصر رئيسا لتحرير جريدة (المقطم).. وهو أصلا من أسرة تمصرت بالهجرة من الشام في أواسط القرن التاسع عشر. تبدأ وقائع القصة في الجزء الأخير من مذكرات (كريم ثابت) التي نشرت مؤخرا تحت عنوان: (طلاق امبراطورة).. ففي صيف عام 1948 استدعاه (فاروق) الى قصر (المنتزه).. ليقابله بوجه عبوس لم تفتر شفتاه عن ابتسامة ما.. ثم اتجه الى سور الشرفة التي تطل على الحديقة والبحر في مشهد ساحر يندر تكراره.. وأخذ يتأوه بصوت مسموع ثم قال باللغة الفرنسية: (إن شقيقتي فوزية تعيسة جدا).. واستطرد قائلا باللغة العربية: (أنا المسئول).. وسكت.. ثم أضاف: لقد تلقيت تقريرا سريا من شاب مصري مقيم في طهران ويتصل بالأميرة عن طريق آنسة مصرية مقربة اليها يؤكد أن فوزية تعيش في جحيم: (ولم يفصح) فاروق عن اسم هذا الشاب المجهول. كانت (فوزية) تتمتع بجمال ارستقراطي هادئ وطبيعة شخصية مريحة ولم تكن لها خبرة في الحياة ولم تجرب الحب من قبل وكل خبرتها العاطفية قبل الزواج عبارات التحية العابرة للشباب.. وعندما عرضوا عليها الزواج بالشاه وكان وليا للعهد قالت لشقيقها: (إن كنت تريد مني أن أتزوج به فليكن ماتريد).. فقال لها (فاروق): (انني أود أن يتم الزواج ولكني لا أجبرك عليه إن كنت لا تميلين اليه) فقالت: (مادمت أنت تراه مناسبا فلابد أن يكون كذلك).. وأطلعها على صورته فابتسمت قائلة: (إني لا أعرفه ولا أعرف غيره ولكني أعتمد على رأيك وأعمل به).. وهكذا.. بدأ التحضير للزواج. كان صاحب فكرة هذا الزواج أصلا (علي ماهر) باشا الذي كان يتصور قيام امبراطورية شرقية من خلال الدخول في علاقات نسب بين الأسرة المالكة في مصر والأسر المالكة في المنطقة وكان يؤمن بأن الفكرة ستلقى ترحيبا من هذه الأسر باعتبار أن الاسرة المالكة المصرية هي الأكثر عراقة.. وهو ماجعل الملكة (نازلي) تعترض على زواج ابنتها من ولي العهد الايراني الذي كانت تصفه بأنه (جلف) لا يفهم في أصول الاتيكيت وقواعد البروتوكول. على أن شيئا ماجعل (فاروق) يصر على أن شقيقته غير سعيدة في زواجها ويسعى لطلاقها.. ولم يكن ذلك صحيحا فقد كان الشاه الأب يتفاءل بها ويدللها ويرفض تناول الطعام دون أن تجلس معه على المائدة أما زوجها فكان يحرص على أن يهدي اليها عقود الألماس الثمينة والأحجار الكريمة ولو بدون مناسبة.. كل ماعانت منه (فوزية) التي حملت منذ زواجها لقب (الامبراطورة) هو بعض الضعف والهزال بسبب اصابتها بالملاريا.. أكثر الأمراض شيوعا في ايران في ذلك الوقت. وضع (فاروق) خطة للاطمئنان على (فوزية) تعتمد على سفر شقيقتهما (فائزة) وزوجها الى (طهران) بحجة تقديم زوجها الى الشاه لتنفرد (فائزة) بها بعد ذلك لتطمئن عليها وتعرف حقيقة شكواها.. لكن.. قبل أن تنفذ الخطة فوجئ (كريم ثابت) بالملك يستدعيه وهو في ذروة الثورة قائلا: (لقد وصلني تقرير سري جديد من طهران يؤكد أن فوزية وقعت في غرام معلمها وانها تفكر في الهروب معه لعلها تصل الى السعادة المحرومة منها).. وعبثا حاول (كريم ثابت) أن يعرف المصدر السري الذي يستقي منه (فاروق) معلوماته لكنه فشل.. وهو ماجعله على يقين أن مايقوله الملك عن مصدره السري هو نوع من الوهم في خياله لتحقيق هدف مايدبره ويسعى اليه.. وهو أمر مثير للدهشة يصدر عن حاكم دولة مؤثرة مثل مصر.. أن يتصرف مثل الأطفال.. دون حساب للنتائج مهما كان الثمن. وقرر (فاروق) أن يستدعي (فوزية) الى الاسكندرية بنفس الحجة.. التعرف على زوج شقيقتها (فائزة).. ولم يتردد الشاه في الاستجابة لهذه الرغبة.. وكان هذا دليلا على انه لا مشاكل بينهما.. وكان شرطه الوحيد أن تعامل زوجته بروتوكوليا كإمبراطورة.. وهو ماجرى بالفعل.. ولكن وسط الاتصالات التي كانت تجري بين القاهرة وطهران لاعداد الترتيبات النهائية فقد (فاروق) فجأة اهتمامه بالموضوع لقد دخل عليه من هو أهم بالنسبة له.. مسيو (جارو) المسئول عن صيانة عملاته الأثرية وأسلحته التذكارية.. جاء ليبلغه انه قام بتنظيف وتنسيق مجموعة النقود القديمة التي وصلت من أمريكا.. فنسى (فوزية) وشقائها والفضيحة التي تنوي ارتكابها وأعطى كل عقله لمسيو (جارو). كان (كريم ثابت) حاضرا.. وراح يتعجب من حالة الفصام العقلي التي يعاني منها الملك الى حد أنه قال عنه انه شخصان لا تعرف متى يظهر الأول ومتى يبرز الثاني.. وفجأة قال له: قل لي ياكريم.. ألا ترى في بعض تصرفاتي شيئا من الشذوذ؟.. وقبل أن يرد.. استطرد الملك: (سأسهل عليك الرد على سؤالي.. هل تعتقد أن في أسرتنا أميرا يصلح لأن يكون ملكا أكثر مني؟).. وجاءت الاجابة: (لا يا فندم).. فأضاف (فاروق): وأنا لا أعتقد ذلك أيضا.. وأؤكد لك أنني لو كنت أرى أن في عائلتي من يصلح للعرش أكثر مني لتنازلت له عنه اليوم قبل غدا.. ولكني لا أرى أحدا.. لقد كنت أفكر اليوم في (الملحوسين) والمصابين بالشذوذ العقلي في عائلتي فهالني كثرة عددهم ولا ريب أنه كان للوراثة تأثيرها الكبير في ذلك جيلا بعد آخر منذ محمد علي باشا مؤسس العائلة الى يومنا هذا.. وأنا شديد الإيمان بالوراثة وتأثيرها.. ولكن الملك الذي كان يعتبر نفسه أكثر العقلاء في أسرته لم يكن طبيعيا.. وهو مايعني أن سقوطه لأسباب نفسية وعقلية سبق سقوطه لأسباب اجتماعية وسياسية. هبطت (فوزية) في مطار (النزهة) لتجد استقبالا رسميا هي والوفد المرافق لها.. ولم يكن هناك ماينم عن تعاسة في ملامحها.. أو تصرفاتها.. وعندما ذهبت الى قصر (أنطونيادس) أو قصر الضيافة الذي ينزل فيه ضيوف الدولة كان أول مافعلته هو اخراج صورة زوجها وابنتيها ووضعتها بجانب فراشها.. وعندما نظر (فاروق) الى صورة الشاه قالت له: (إنه أفضل كثيرا من صورته).. فشعر بالحرج وانسحب من المكان. ترك (فاروق) شقيقته وهو يقول لـ (كريم ثابت): (إن عنده مأمورية عاجلة سينفذها بمفرده).. وقد كانت هذه المأمورية قصة من أعجب قصص (فاروق).. لقد استدعى كبير خدم القصور الملكية وطلب منه أن يلقي نظرة على حقائب شقيقته عند وصولها الى القصر قبل أن يراها أحد ولو كانت (فوزية) نفسها.. وحدد له الحجرة التي سيعاين فيها الحقائب.. وعلى حد وصف (كريم ثابت): دخل فاروق الحجرة التي صفت فيها الحقائب وخلع سترته وعكف على معالجة أقفالها بمجموعة من المفاتيح من مختلف الأحجام والأشكال أحضرها من قصر المنتزه خصيصا لهذا الغرض فأفلح في فتح بعضها وعجز عن فتح أغلبها لم ترضه هذه النتيجة وأمر باحضار آلة حادة ولم يزل يخلع الاقفال التي عاندته ويهشمها حتى استراح منها كلها.. ثم أخذ يتفقد محتويات الحقائب ويستخرج منها مايحلو له ويضعها على حدة.. ولم تمنعه حرارة الحجرة ورطوبتها من المضي في هذه العملية حتى أتى على الحقائب كلها.. فتركها غير حافل بحالة أقفالها ولم يهتم الا بما استولى عليه.. وعندما عرفت (فوزية) بما فعله (فاروق) لم تعلق.. وإن كانت قد علمت أن مافقدته كان تشكيلة من معاطف الفراء وفساتين سهرة وحقائب يد وأدوات زينة وروائح عطرية وبعض الحلي الذهبية البسيطة.. أما الخسارة في المجوهرات فكانت يسيرة فالمجوهرات كانت في حقيبة صغيرة لم تفارق يد خادمتها الخاصة. كان (فاروق) مصابا بمرض السرقة والخطف ويشعر بشهوة جامحة في الحصول على ماليس له سواء كان نساء الآخرين أو أشيائهم الخاصة.. إن ملك بهذه المواصفات النفسية والعقلية سقط مبكرا أمام أسرته قبل أن يسقط فيما بعد أمام شعبه.. لقد أهدى (فاروق) ماسرقه لصديقاته.. ولم يشعر بالحرج وهو يقدم صديقاته لشقيقته وهن يستعملن أشيائها الخاصة.. وأغلب الظن أن ضعف شخصية (فوزية) هو الذي جعلها تسكت على كل شيء أشيائها.. حياتها.. ومصيرها.. أنها رغم حبها للشاه.. ورغم حب الشاه لها.. استجابت لرغبة (فاروق) واستسلمت لخطته غير المفهومة وغير المبررة لطلاقها. بدأت الخطة بحادث كان بمثابة الصدمة للوفد الايراني الذي كان يرافقها ويقيم في قصر الضيافة.. لقد استيقظ الوفد ذات صباح ولم يجد الامبراطورة.. ولم يجد الحراس.. ولا الخدم.. ولا العلم الايراني الذي كان يرفرف على ساري القصر.. وكان ذلك يعني أزمة دبلوماسية بين بلدين.. فالامبراطورة هي زوجة الامبراطور وهي السيدة الأولى في البلاد ومعاملة الوفد المرافق لها على هذا النحو هو بمثابة اهانة رسمية بكل المقاييس والاعراف الدولية والدبلوماسية.. وذهب الوفد الايراني الى قصر (رأس التين) المقر الرسمي للدولة في الصيف وتساءلوا: لماذا رحلت الامبراطورة ولماذا لم يكاشفهم أحد بعزمها على الرحيل وأين ذهبت ولماذا جرى ذلك كله في سرية تامة وكيف عدل البرنامج بهذه الكيفية دون استئذان البلاط الامبراطوري؟.. ولم يكن من الصعب تصور أن ماجرى كان مقدمة لطلب تطليق الامبراطورة من الشاه.. وقد قال رجالها: (إن الطريقة التي عومل بها أعضاء الحاشية الايرانية لا تدع مجالا للشك في ذلك). وسأل (كريم ثابت) الملك: ألا ترى جلالتك أن للموضوع ناحية سياسية من الواجب على رئيس الحكومة الاهتمام بها؟ فقال (فاروق) في سخرية واستخفاف: (إني أشفق على رئيس الوزارة مماسيسمعه مني في اليوم الذي يتجاسر فيه ويكلمني في هذا الموضوع الذي لا يعنيه).. وأضاف: (لا أتصور أن رئيس الوزارة يفقد عقله ويقدم على ماذكرت.. لا.. لا أعتقد ذلك.. لقد علمت رؤساء الوزارات منذ ارتقائي العرش أن يكونوا شديدي الاحتراس في علاقاتهم بي وألا يتدخلوا في شئون لا تعنيهم وليس لهم أن يتدخلوا فيها.. ولو تجاسر رئيس الوزارة على ذلك فالحل سهل جدا.. سألحقه بالحاشية الايرانية). وسأله (كريم ثابت) عن الحاشية الايرانية فكان رده: لم يعد أمرهم يهمني سواء بقوا في مصر أو غادروها عائدين الى بلادهم مادامت (فوزية) لن تقابلهم بعد الآن وماداموا ليسوا ضيوفا علينا من اليوم.. وهكذا.. بلا احساس بالمسئولية السياسية ضرب ملك مصر عرض الحائط بالعلاقات الدبلوماسية بينها وبين دولة لها ثقلها في المنطقة.. وبلا احساس المشاعر الإنسانية راح يعزل شقيقته عن كل أخبار أسرتها القادمة من طهران بما في ذلك الصحف والمجلات المصرية التي كانت تنشر صور الشاه وأخباره وهي لا تعرف مايجري في كواليس القصر وحجراته الخلفية والأمامية.. فهل يمكن أن يوصف (فاروق) بعد ذلك بأنه أعقل ماتبقى من أسرة محمد علي الكبير؟.. واذا كان الأعقل على هذا النحو فكيف كان الآخرون؟.. وهل كان يمكن أن يستمر نظاما يقوده ملك يصفه المقربون اليه بهذه الصفات التي تؤدي أما الى السجن أو مستشفى الأمراض العقلية في العباسية؟ وفهم شاه ايران الرسالة بسهولة وعرف أن عليه أن يطلق امرأة أحبها ووضعها الى جانبه على عرش الطاووس.. ولم يشأ أن يستفسر أو يعترض.. ونفذ هو أيضا ما طلب منه.. وتقول الوثائق البريطانية التي نشرت فيما بعد: (إن الشاه شعر بالإهانة التي ظلت معه سنوات طويلة.. لكنه شعر أكثر بأن قلبه قد تحطم بلا مقدمات).. واستجاب الشاه الى طلب (فاروق) الأخير وهو ألا يؤجل اعلان الطلاق حتى يستعد الشعب المصري لتقبله.. ولم يكن التأجيل في الحقيقة لهذا السبب وانما لسبب آخر هو أن (فاروق) قرر أن يعلن طلاق (فوزية) في اليوم نفسه الذي أعلن فيه طلاق زوجته الأولى الملكة (فريدة).. وتصور بعض المقربين من الملك أنه سعى الى تطليق شقيقته حتى لا يقال انه هو وحده الفاشل عاطفيا وعائليا.. ولا ينكر (كريم ثابت) ذلك.. وإن كان لا يفرط في شرحه.. فلا سبب آخر غير هذا السبب.. وكما طلق (فاروق): شقيقته بلا رغبة منها زوجها من شخص آخر لا رأي لها فيه هو اسماعيل شيرين. ومرة أخرى هل كان يمكن أن يستمر (فاروق) وهو بهذه المواصفات سواء جاء الضباط الأحرار أو جاء غيرهم؟. صحفي مصري