لم أحلم قط بأن أكون «بنت بطوطة العصر» رغم ان هذا الحلم حق مشروع لي ولغيري من بنات البشر، خصوصاً وان السمة البارزة في عصرنا هي سهولة الانتقال بين جهات الكرة الأرضية الأربع بوسائل حديثة يمكنها ان تقطع بالانسان آلاف الأميال في ساعات محدودة من الليل أو النهار. ورغم نفي الحلم المشروع إلا ان شغفي كبير ـ وكغيري من الناس ـ بقراءة كتب الرحلات، وفي مقدمتها ـ بالطبع ـ كتاب «ابن بطوطة» عن رحلته الكبرى التي قام بها قبل عدة قرون وسجل في يومياته عنها رصداً لكل مظاهر الحياة في ذلك العصر البعيد. ولعل أهم ما ولده هذا الشغف في نفسي هو تلك الرغبة في الاقتراب من الواقع المجتمعي لأي بلد تسنح لي الفرصة بزيارته، هذا الاقتراب الذي يمكنني من معرفة روح المكان وطبيعة أهله ومسارات الحياة في كافة دروبه. وفي كل بلد وعلى امتداد الكرة الأرضية هناك معالم ترتبط أسـماؤها ببلدان دون غيرهـا إلى درجـة ان مجرد اشارة إنسـان إلى زيارة «برج بيزا» تعني زيارتـه لإيطاليـا، ونفـس الكـلام عن «برج إيفل» في فرنسـا، كما ان الأزهر والأهرامات وأبو الهول تعني زيارة مصر أم الدنيا، كما يحب ان يسميها اخواننا المصريون. ويحضرني الآن ذلك الحوار الذي دار بيني وبين أحد الألمان ـ وقد كنت في زيارة لبلده ـ عندما سألني عن البلد الذي قدمت منه، فما ان سمع اسم دبي حتى رد بانشراح واضح: إنها المدينة التي تضم الفندق العظيم، وكان يعني بذلك فندق برج العرب الذي أصبح معلماً شهيراً يشار به إلى دبي الحديثة. ولأن لكل مكان روحاً وطابعاً يتميز بهما عن غيره فإن «الرولة» عندما تذكر في أي حديث فإن ذلك يشير تحديداً إلى الشارقة، رغم كثرة ما فيها من معالم وشواهد جعلتها ذات يوم عاصمة ثقافية للعرب. فمنطقة الرولة كانت في أيام خلت رمزاً ومعلماً للحياة حتى ما قبل السبعينيات من القرن الماضي، رغم ان الاسم ينسب إلى شجرة عملاقة كانت قبل ذلك بعقود وربما قرون تقف شامخة وسط ساحة في منتصف الشارع المعروف في الشارقة الآن باسم شارع العروبة. والحديث عن الرولة «الشجرة والمنطقة» هو حديث عن التاريخ والعادات والتقاليد التي عرفتها بلادنا قديماً، فقد منحت هذه الشجرة العملاقة أهلنا بأغصانها الوارفة زمناً طويلاً قبل ان تموت واقفة كما تموت الأشجار في شموخ وإباء. فقد كانت هذه المنطقة التي نعرفها جميعاً بميدان الرولة هي ساحة للتلاقي بين الأهل والأحبة في كل المناسبات الاجتماعية والدينية المختلفة، وأيضاً كانت هي البورصة التي تعقد فيها الصفقات التجارية، إذ كان التجار من كل أنحاء الإمارات يأتون إليها لعرض ما لديهم من بضائع جلبوها فوق ظهور الجمال والحمير التي كانت تستخدم أيضاً لجلب المياه العذبة من مناطق أخرى. أما في الأعياد فلم تكن الفرحة تكتمل إلا بتجمع الأهالي كباراً وصغاراً حول شجرة الرولة، حيث يتبادلون التهاني، كما ان وقت العصر كانت الفرصة سانحة للقاء من لم يتم لقاؤهم في ساعات الصباح، بينما الصغار كانوا يهنأون بالفرح والمرح اللذين كانت الرولة تمنحهما لكل زائر. ويجرنا الحديث عن الرولة إلى الحديث عن زيارة المكان ـ أي مكان ـ التي لا تكتمل إلا بالوصول إلى مواقع تجسد روح البلد وطابعه، وتلامس عادات أهله وأساليب معيشتهم. وسعيد الحظ من يدخل بعمق في تفاصيل حياة الشعوب كلما سنحت له الفرصة لزيارة قُطر أو بلد. فأي زائر لمصر، والقاهرة ـ تحديداً ـ سوف يجد الكثير من المواقع السياحية التي تستحق الزيارة، لكن طابع الحياة المصرية الجميلة لا يراها ولا يمكن ملاحظتها إلا في احياء معينة، كحي السيدة زينب مثلاً، فهذا الحي الذي يتوسطه المسجد الكبير الذي ترنو إليه الأفئدة صباح مساء باعتباره المسجد الذي يحمل اسم حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي رحاب هذا الحي القديم الذي يحظى بحب كبير وتقدير من نوع خاص من كل الأجناس والأعراق، ومن كل من تهفو نفسه شوقاً وحنيناً إلى صدر رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث تتعاظم المشاعر وتكبر فرحة الزائر وتزداد نفسه انشراحاً وطمأنينة بكل مشهد فيه، فالحي بأكمله ينبض بحيوية نادرة لا تنقطع عن كل شبر فيه، الذي يعبق بالأصالة ويفيض بجماليات التراث الاسلامي من الماضي التليد. ويجمع الكثيرون ممن زاروا هذا الحي على انه يبعث في النفوس راحة قلما يشعر بمثلها الانسان في مكان آخر حتى وان بدا هذا الحي لسكانه وأهاليه مكاناً عادياً كغيره من الأحياء الشعبية التي تعج بها مدينة القاهرة النابضة بالحياة على مدار ساعات اليوم، إنما لغيرهم من الزوار فإنه مختلف. فالباعة هناك بما يعرضون من منتجات تقليدية يلفتون الأنظار بأسلوب متفرد في عرضهم، والعبارات الخاصة بهم التي يطلقونها طوال سعيهم لجذب الزائر إلى بضاعتهم هي أيضاً لا تخلو من المتعة عن الاستماع إليهم وإلى الحوارات التي تكون بصوت عال، فهي تحمل الكثير من الفكاهة، كلها تنم عن ثقافة تراثية زاخرة لدى هؤلاء البسطاء، تمثل طابعاً حقيقياً لحياة أهل الأحياء الشعبية. في السيدة زينب الكثير مما يبهج القلب ويسعد النفس ويسر العين، أجواء تخلق لدى الزائر الكثير من الشجن لما هو أصيل وجميل. وعلى ذكر السيدة زينب فإن الحديث يجر نفسه إلى حي آخر لا يقل أهمية وروعة مع اختلاف بسيط في طبيعة الحياة، انه حي الحسين الذي ألهم المطرب المصري الشهير محمد عبدالمطلب وهو يغني للحيين معاً بأغنيته الشهيرة: ساكن في حي السيدة، وحبيبي ساكن في الحسين، وعشان أنول كل الرضا، يوماتي أروح له مرتين، من السيدة لسيدنا الحسين. تلك هي جولة رافقناكم فيها، وفي الزيارة المقبلة عليكم الذهاب وحدكم.