حرب عربية إسرائيلية من نوع آخر تدور رحاها هذه الأيام، إنها حرب المعلومة، وهي أشبه بورقة كانت مغيّبة أو مهمّشة لزمن طويل في أجندة العرب. ولا نغالي إذا قلنا إن الاعلام العربي رغم ما يحيط به من ظروف وما تعترضه من معوّقات ومحاذير، قد استطاع استنهاض الجمهور من المحيط إلى الخليج، فضلاً عن وصوله إلى أوساط فاعلة في الرأي العام العالمي الذي بات أكثر دراية بالحقوق الفلسطينية والعربية. كما تمكّن الاعلام العربي من تفنيد ادعاءات اسرائيل بقدرة آلتها العسكرية على كبح جماح الانتفاضة المتصاعدة رغم سياسة الاغتيال وتجريف الأراضي وهدم البيوت. ولم تقتصر المواجهة الإعلامية العربية لإسرائيل على الفضائيات ووسائل الإعلام الاخرى، فقد نشبت حرب حقيقية أخرى على شبكة الانترنت اشترك فيها شبان من مختلف الأقطار العربية والاسلامية، ودمّروا خلالها مواقع مهمة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ما جعل حكام «الكيان» يطلبون التدخّل لوقف هذه الحرب الالكترونية ضدّهم. هكذا بدا جليّاً كم للإعلام من دور مفصلي وفعال في كشف الحقائق والمعلومات. وها هو الشريط الذي بثته محطة «بي.بي.سي» البريطانية الدولية حول مذابح مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان تتواصل أصداؤه وتفاعلاته على أكثر من مستوى عربي واسرائيلي. وها هي محاكمة شارون كمجرم حرب، استناداً إلى شهادات ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا وتقارير وشرائط مصوّرة، تمضي قدماً في بلجيكا، رغم كل الضغوط التي مورست على حكومة هذا البلد لتعديل قانونها القضائي بما يحول دون محاكمة رؤساء حكومات أو مسئولين كبار في دول أخرى ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية. وأمام جدّية التعامل البلجيكي مع القضية، اضطرت الحكومة الاسرائيلية لاستئجار محام بلجيكي للدفاع عن رئيسها شارون. وفي السياق ذاته، لم تخف صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية قلقها من التهديد الاستراتيجي الذي تمثله الفضائيات العربية ونشرت منذ أيام تحقيقاً لأحد الاكاديميين الاسرائيليين على صفحة كاملة، تناول فيه ما قامت به هذه الفضائيات حيال الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية، مشيراً الى تحويلها حدث استشهاد الطفل محمد الدرة مادة بث يومية، وما تركه ذلك من تأثير دراماتيكي في وجدان المشاهدين العرب ولدى معظم سكان المعمورة. هي معركة أخرى تثار إذن، وهنا العلم والبراعة يلعبان دوريهما في ترجيح الكفّة، وللتذكير فقط، منذ أيام كسرت فضائية عربية قرار مسئول أمني اسرائيلي رفيع المستوى يمنع بموجبه الشاعر سميح القاسم من زيارة لبنان لعقد لقاء تلفزيوني وإقامة أمسيات شعرية في عدد من مناطقه. وأقيم اللقاء على الهواء مباشرة مع القاسم من العاصمة الأردنية عمّان وتابعه الجمهور اللبناني والعربي، ثم تحوّل الحدث إلى ما يشبه تظاهرة سياسية ثقافية شارك فيها مبدعون كبار من أمثال: محمود درويش، مارسيل خليفة، إلياس خوري، نضال الأشقر فضلاً عن مقدّم البرنامج ومعدّه الشاعر والإعلامي زاهي وهبي. وردّ القاسم على الاسئلة التي طرحت عليه متحدثاً بجرأة عن قضية منعه من زيارة بيروت وعن خلفياتها، كما تحدث أيضاً في شئون السياسة والشعر والحياة، وهاجم السلطات الاسرائيلية، معتبراً ان المنع محاولة لعزله شعرياً وسياسياً عن قرائه العرب. ولعلّ هذه الخطوة أمر يستحق الثناء، وهي جزء من معركة شاملة، لكن ما نأمله ان تتعزّز مثل هذه المبادرات. بما يتيح مساحة أكبر في فضائياتنا العربية لبث برامج الصراع والمواجهة الحضارية والتاريخية مع العدو، في مقابل الإقلال من برامج اللهو والترفيه التي غالباً ما تقدّم مواد سخيفة وبليدة!