هل نعي تماماً معنى الحياة في بيئة الفقر والكفاف وانعدام ابسط مقومات الرفاه التي نغرق فيها اليوم صباح مساء ومع ذلك نشتكي ونتأفف ونتبرم؟ لنتصور كيف عاش أهلنا وامهاتنا قديماً في بيئة يتحدث عنها علماء البيئة والجغرافيا على انها طاردة قاحلة من مقومات الانجذاب السكاني للبقاء فيها أو الاستمرار، لنتصور معنى الحياة بلا أبسط منتج من منتجات الرفاهية، ثم بعد ذلك لنتحدث عن واقع ومكانة وادوار لم تلعبها المرأة، بسبب التعليم والمال و... الخ. لا اساس علميا لمقولة ان واقع المرأة السييء من حيث عدم وجود التعليم، وقله المال وضعف الاقتصاد، وافتقار البيئة لنظام السوق والعمل، وراتب الوظيفة، ان هذا كله جعل المرأة بلا دور ولا أهمية مما جعل الرجل لا يلقي لها بالاً. عن نفسي لا أميل لكل هذه المقولات لأن من يلقي بها هكذا جزافا، اما ان يكون لا علاقة له بهذا المجتمع امسه وحاضره، واما انه يرمي لاهداف لا نعلمها، لاننا من امهاتنا وجداتنا رأينا وسمعنا الكثير عن نساء كانت الواحدة منهن تهز المجتمع بكلمة، ويحسب لها كبار الرجال وعلية القوم حساباً مؤسسا على الاحترام وسمو المكانة، دون ان تمتلك من حطام الدنيا شيئاً مثل حساب في البنك، أو وجاهة أو شهرة أو جمال تشهره في الطرقات كما يجري في زماننا هذا. نظلم المرأة قديماً حينما نتحدث عنها بكل هذه الدونية، ونظلم الرجل حينما نجعله في هذا الموقف من نساء وقفن الى جانبه في رحلة الصراع الطويلة، وأسسن معه نظاماً اجتماعياً عائليا واقتصاديا متكيفا مع معطيات الظروف، دون ان يكون التعليم والوظيفة والرفاهية عوائق ومبررات للكسل وعدم الحركة في اتجاه الحياة والنمو والتغيير. نعم كان الوضع صعباً، بل وقاتلا، لكنها الظروف التي حكمت مسيرة هذا المجتمع، وحرمت ساكنيه سابقا من اي نوع من التسهيلات ومباهج الحياة التي كانت متوفرة لدى امم الارض الاخرى بدءاً بالسيارة والثلاجة والغسالة وانتهاءً بحفاضات الاطفال والاغذية المحفوظة، لكنها لم تحرمهم من ان يعيشوا زمانهم قوة وصلابة ونقاء. مما سمعنا وعلمنا فإن المرأة كانت صانعة قرار في غياب زوجها، وصاحبة دور اقتصادي وتربوي واخلاقي، وهي التي انتجت حتى على الصعيد الثقافي والابداعي تراثاً ضخماً من الحكايات الشعبية والاساطير في موروثنا الشفاهي المحكي عن طريق نسج حكايات و(خراريف) كانت تحكيها للصغار قبل النوم وعند التوجيه والعقاب والثواب، فهل كانت هذه المرأة كما مهملاً لاقيمة له؟! تحية اجلال لكل امهاتنا وجداتنا، ومسيرة كل امهات الامس واليوم فهن الزيت والقنديل والهداية، وما نحن سوى زاعقين في الصحراء نبحث عن هدايات تشبه وجوه جداتنا وقامات امهاتنا، فهل نستهدي أم نقبض الريح طويلا؟ Aisha@albayan.co.ae